كانوا يقصدون إلى ذلك الفحش، ولم يريدوه ولم يرووا الشعر من أجله. قالوا:
وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه وكان من أوجعها عنده:
اليوم عندك دلها وحدثيها ... وغدا لغيرك كفها والمعصم
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذكر المرزباني في كتابه بإسناد عن عبد الملك بن عمير أنه قال: (أوتي عمر - رضوان الله عليه -
بحلل من اليمن فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق
ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت رضي
الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة فقال: ائذن
لهم يا غلام فدعا بحلل فأخذ زيد أجودها، وقال هذه لمحمد بن حاطب، وكانت أمه
عنده وهو من بني لؤي فقال عمر رضي الله عنه: أيهات أيهات، وتمثل بشعرعمارة
بن الوليد:
أسرك لما صرع القوم نشوة ... خروجي منها سالما غير غارم [1]
بريئا كأني قبل لم أك منهم ... وليس الخداع مرتضى في التنادم
ردها، ثم قال: ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل، وقال: أدخل يديك فخذ حلة
وأنت لا تراها فأعطهم. قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها. وعمارة هذا هو
عمارة بن الوليد بن المغيرة خطب امرأة من قومه، فقالت: لا أتزوجك أو تترك
الشراب، فأبى ثم اشتد وجده بها، فحلف لها أن لا يشرب، ثم مر بخمار عنده شرب
يشربون [2] فدعوه، فدخل عليهم، وقد أنفدوا ما عندهم فنحر لهم ناقته وسقاهم ببرديه
ومكثوا أياما، ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته امرأته قالت: ألم تحلف أن لا تشرب
فقال:
ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ... ثياب الندامى عندهم كالغنائم
ولكننا يا أم عمرو نديمنا ... بمنزلة الريان ليس بعائم [3]
أسرك البيتين. فإذن: رب هزل صار أداة في جد، وكلام جرى في باطل، ثم
استعين به على حق؛ كما أنه رب شيء خسيس، توصل به إلى شريف، بأن
ضرب مثلا فيه، وجعل مثالا له؛ كما قال أبو تمام:
والله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
وعلى العكس، فرب كلمة حق أريد بها باطل، فاستحق عليها الذم كما عرفت
من خبر الخارجي مع علي، رضوان الله عليه. ورب قول حسن لم يحسن من
قائله حين تسبب به إلى قبيح كالذي حكى الجاحظ قال: رجع طاوس يوما عن مجلس
محمد بن يوسف وهو يومئذ والي اليمن فقال: ما ظننت أن قول سبحان الله يكون
معصية لله حتى كان اليوم سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس: سبحان الله، كالمستعظم لذلك الكلام ليغضب ابن يوسف، فبهذا
ونحوه اعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر.
(وبعد) فكيف وضع من الشعر عندك وكسبه للمقت منك أنك وجدت فيه
الباطل والكذب، وبعض ما لا يحسن ولم يرفعه في نفسك، ولم يوجب له المحبة من
قلبك، وأن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب. وأن كان مجنى ثمر
العقول والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة،
وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى
الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به آثار
الماضين، مخلدة في الباقين، وعقول الأولين، مردودة في الآخرين، وترى لكل من
رام الأدب، وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا، وعلما
منصوبا، وهاديا مرشدا، ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر،
والزاهد في اكتساب المحامد، داعيا ومحرضا، وباعثا، ومحضضا، ومذكرا
ومعروفا وواعظا ومثقفا، فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا
الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به،
ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك، وإلا بادئ رأي عن لك، فأقفلت عليك قلبك،
وسددت عما سواء سمعك، فعي الناصح بك [4] ، وعسر على الصديق الخليط
تنبيهك، نعم وكيف رويت (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا فيريه [5] خير له أن يمتلئ