وأنداد لله فيعبدونهم أي يعظمونهم ويخضعون لهم ويدعونهم ويستمدون منهم
ويرفعون حاجاتهم إليهم ويرجون عند ذكر أسمائهم الخير ويتوقعون من سخطهم
الشر، وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾ (طه: 124) والله صادق الوعد نافذ الحكم. وفي الواقع - وبالضرورة والطبع -
لا معيشة أشد ضنكا من معيشة المشركين الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم
لأنفسهم ظالمون فقال: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: 13) وقال: {ولا
يظلم ربك أحدا} (الكهف: 49) ، وهذا زيد بن عمرو بن نفيل الحكيم الجاهلي
ضجر من الشرك فقال من أبيان له:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل الخبير
ومثل الحياة الأدبية في الموحدين والمشركين كبلد سلطانه حكيم قاهر بابه
مفتوح لكل مراجع وينفذ قانونا واحدا ولا يصغي لساع ولا شفيع ولا يشاركه في
حكمه أحد. وبلد آخر سلطانه جبان مغلوب على أمره نال منه مقربوه المتعاكسون
وأعوانه المتشاكسون من حوائج خير لذويهم أو دفع شر عن أتباعهم فهل يستوي
أهل البلدين؟ كلا لا تستوي السعادة والشقاء ولله المثل الأعلى فإنه جلت عظمته لا
يرضى أن يشاركه في ملكه أحد كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} (النساء:
116) ولا شك أن الشرك من أكبر الفجور وعمل السوء وقد قال تعالى: {وإن
الفجار لفي جحيم} (الانفطار: 14) وقال تعالى: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ (النساء: 123) وما الجحيم والمجازاة خاصين بالآخرة بل يشملان الحياة الدنيا
والآخرة.
ثم أقول: إذا أراد المسلم أن يعلم ما هو الشرك المشئوم عند الله بمقتضى ما
عرفه إياه في كتابه المبين يلزم أن يعرف ما هو مدلول ألفاظ (إيمان وإسلام وعبادة
وتوحيد وشرك) في اللغة العربية التي هي لغة القرآن إذا قال: {إنا جعلناه قرآنا
عربيا} (الزخرف: 3) وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} (إبراهيم: 4) فإذا علم المسلم
معنى هذه الألفاظ وأراد أن يمتثل أمر به بأن لا يتعدى حدود الله يتعين حينئذ عنده
ما هو مراد الله بالشرك الذي لا يرضاه والذي أشفق وخاف علينا نبينا عليه الصلاة
والسلام من الوقوع فيه فقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك) [2] .
ومن يبحث عما ذكر من الألفاظ يجد أن أهل اللغة مجمعون على أن المدلول
للفظ (الإيمان) الطاعة والتسليم بدون اعتراض [3] وللفظ (العبادة) التذلل
والخضوع [3] وللفظ (التوحيد) العلم بأن الشيء واحد، وإذا أضيف إلى الله فيراد به
نفي الأنداد والأشباه عنه. ومن هذه المادة الواحد والأحد صفتان لله تعالى معناهما
المنفرد الذي لا نظير له أو ليس معه غيره. وأصل معنى مادة الشرك لغة الخلط
واستعمالا الإشراك بالله وفي اصطلاح المؤمنين الإشراك بالله في ذاته أو ملكه أو
صفاته.
ثم إذا وزعنا اعتقادات من وصفهم الله بالشرك في كتابه العزيز على هذه
الأنواع الثلاثة نجد مظنة (الإشراك في الذات) قائمة في اعتقاد الحلول وهو أنه
تعالى شأنه عما يصفون أفنى أو يفني بعض الأشخاص في ذاته كقول النصارى في
عيسى ومريم عليهما السلام، وقول غلاتنا في وحدة الوجود. وهذا النوع من
الشرك عسر التصور والتعريف حتى عند أساطين أهله ولذلك يسميه النصارى
حقيقة سرية ويسميه غلاتنا حقيقة ذوقية، (مرحى) .
أما مظنات (الإشراك في الملك) فيدخل تحتها اعتقاد اختصاص بعض
المخلوقين بتدبير بعض الشئون الكونية كاعتقاد اليهود في ملك الموت وكاعتقاد
بعض الناس تصرف غير الله في شيء من شئون الكون كقول من يقول: (فلان
عليه درك البر أو البحر. أو الشام أو مصر)
وأما مظنات (الإشراك في الصفات) فهي الاعتقاد في مخلوق أنه متصف
بشيء من صفات الكمال من المرتبة العليا التي لا تنبغي إلا لواجب الوجود جلت