الصحابة إن أدركنا حكمة ذلك التشريع أو لم نقدر على إدراكها وأن نترك ما يتشابه
علينا من القرآن (يريد نفوض فيه) فنقول: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ (آل
عمران: 7) ، ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ (آل عمران: 7) .
ومن قواعد ديننا كذلك أن نكون مختارين في باقي شئوننا الحيوية نتصرف
فيها كما نشاء مع رعاية القواعد العمومية التي شرعها أو ندب إليها الرسول
وتقتضيها الحكمة أو الفضيلة كعدم الإضرار بالنفس أو الغير والرأفة بالضعيف
والسعي وراء العلم النافع والكسب بتبادل الأعمال والاعتدال في الأمور والإنصاف
في المعاملات والعدل في الحكم والوفاء بالعهد إلى غير ذلك من القواعد الشريفة
العامة. وهذه مقدمة ثانية ويتفرع عن هاتين المقدمتين مسائل مهمة ينبغي إفرادها
بالبحث تباعا وإشباعا.
ومنها أن أصل الإيمان بوجود الصانع أمر فطري في البشر كما تقدم فلا
يحتاجون فيه إلى الرسل وإنما حاجتهم إليهم في الاهتداء إلى كيفية الإيمان بالله كما
يجب من التوحيد والتنزيه. هؤلاء قوم نوح وقوم إبراهيم وجاهلية العرب واليهود
والنصارى ومجوس فارس ووثنيو الهند والصين ومتوحشو أفريقيا وأمريكا
وسائر البشر كلهم كانوا ولا يزالون أهل فطرة دينية يعرفون الله وليس فيهم من
ينكر كليا كما قال عز من قائل: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ (الإسراء:
44) بل يغلب على البشر الإشراك بالله فيخصصونه تعالى شأنه بتدبير الأمور
الكلية والشئون العظام كالخالقية وتقسيم الأرزاق والآجال كأنهم بجلونه عن تدبير
الأمور الجزئية ويتوهمون أن تحت أمره مقربين وأعوانا ووسطاء من ملائكة وجن
وأرواح وبشر وحيوانات وحجر وأنه جعل لهم وللنواميس الكونية من أفلاك وطبائع
وللحالات النفسية من سحر وتوجه فكر دخلا وتأثيرا في تيسر الأمور الجزئية إيقاعا
أو منعا وأعطاهم شيئا من القوة القدسية وعلم الغيب.
وتوهمهم هذا ناشئ عن قياسهم ملكوت ذي الجبروت على إدارة الملوك في
اختصاصهم بتدبير مهمات الأمور وتفويضهم ما دون ذلك إلى العمال الأعوان
واستعانتهم بالبطانة والحاشية وربطهم مجرى الأعمال بالقوانين والنظامات
(مرحى) .
ومن تتبع تواريخ الأمم الغابرة وأفكار الأمم الحاضرة لا يرتاب فيما قررناه
من أن آفة البشر الشرك الذي أوضحناه فقط وكفى بالقرآن برهانا فقد قال الله تعالى:
﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ (لقمان: 25) وقال
تعالى: ﴿بل إياه تدعون﴾ (الأنعام: 41) وقال تعالى: {فلا تدعوا مع
الله أحدا} (الجن: 18) وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة: 255) إلى غير ذلك من الآيات البينات المثبتة أن زيغ البشر هو
الإشراك من بعض الوجوه فقط الإنكار ولا الإشراك المطلق؛ لأن العقل البشري
مهما تسفل لا ينزل إلى درجة الشرك المطلق.
بناء عليه جرت عادة الله - جلت حكمته - أن يبعث الرسل ينقذون الناس من
ضلالة الشرك وينتاشونهم من وهدة شره في الحياة الدنيا والآخرة ويهدونهم إلى
رأس الحكمة أي (معرفة الله) حق معرفته لكي يعبدوه وحده بذلك تتم حجته عليهم
ويملكون حريتهم التي تحميهم من أن يكونوا أرقاء أذلاء لألف شيء من أرواح
وأجسام وأوهام. فثمرة الإيمان بأن (لا إله إلا الله) عتق العقول من الأسر وثمرة
الإذعان بأن (محمد رسول الله) اتباعه حقا في شريعته التي تحول بين المسلم
وبين نزوعه إلى الشرك وتنيله سعادة الدارين.
﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ (عبس: 17) أو قبح ما أجهله. لا يهتدي إلى
التوحيد إلا بجهد عظيم ويندفع أو ينقاد بشعرة إلى الشرك فيتلبس به على مراتب
ودرجات في اعتقاد وجود قوة قدسية ترجى وتتقى في غير الله أو تبعا لله ذاهلا عن
أنه لو كان في الأرض والسماء آلهة غير الله أي أصحاب تصرف في شيء ولو في
تحريك ذرة رمل - لفسدتا.
فالناس سريعو الإعراض عن ذكر الله إلى ذكر من يتوهمون فيهم أنهم شركاء