﴿ يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك اللاتى ءاتيت أجورهن ﴾ مهورهن لأن المهر أجر على البضع، وتقييد الإحلال له بإعطائها معجلة لا لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية بقوله: ﴿ وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ﴾ فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها، وتقييد القرائب بكونها مهاجرات معه في قوله: ﴿ وبنات عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك اللاتى هجرن معك ﴾ ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة ويعضده قول أم هانىء بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ نصب بفعل يفسره ما قبله أو عطف على ما سبق، ولا يدفعه التقييد بأن التي للاستقبال فإن المعنى بالإحلال والإعلام بالحل أي: أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا إن اتفق ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك والقائل به ذكر أربعا: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. وقرىء ﴿ أن ﴾ بالفتح أي لأن وهبت أو مدة أن وهبت كقولك: اجلس ما دام زيد جالسا. ﴿ إن أراد النبى أن يستنكحها ﴾ شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم مكررا، ثم الرجوع إليه في قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاق الكرامة لأجله. واحتج به أصحابنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص باللفظ، والاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه، ﴿ وخالصة ﴾ مصدر مؤكد أي خلص إحلالها أو إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصا لك، أو حال من الضمير في ﴿ وهبت ﴾ أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة.
﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزوجهم ﴾ من شرائط العقد ووجوب القسم والمهر بالوطء حيث لم يسم. ﴿ وما ملكت أيمنهم ﴾ من توسيع الأمر فيها أنه كيف ينبغي أن يفرض عليهم، والجملة اعتراض بين قوله: ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ ومتعلقه وهو ﴿ خالصة ﴾ للدلالة على أن الفرق بينه وبين ﴿ المؤمنين ﴾ في نحو ذلك لا لمجرد قصد التوسيع عليه، بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة وبالعكس أخرى. ﴿ وكان الله غفورا ﴾ لما يعسر التحرز عنه. ﴿ رحيما ﴾ بالتوسعة في مظان الحرج.
﴿ ترجى من تشاء منهن ﴾ تؤخرها وتترك مضاجعتها. ﴿ وتؤوى إليك من تشاء ﴾ وتضم إليك من تشاء وتضاجعها، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائيي وحفص «ترجى» بالياء والمعنى واحد. ﴿ ومن ابتغيت ﴾ طلبت. ﴿ ممن عزلت ﴾ طلقت بالرجعة. ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك. ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما ءاتيتهن كلهن ﴾ ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا، لأن حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهم، وقرىء «تقر» بضم التاء و ﴿ أعينهن ﴾ بالنصب و «تقر» بالبناء للمفعول و «كلهن» تأكيد نون ﴿ يرضين ﴾ ، وقرىء بالنصب تأكيدا لهن. ﴿ والله يعلم ما فى قلوبكم ﴾ فاجتهدوا في إحسانه. ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور. ﴿ حليما ﴾ لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقى.
﴿ لا يحل لك النساء ﴾ بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي، وقرأ البصريان بالتاء. ﴿ من بعد ﴾ من بعد التسع وهو في حقه كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح أخرى. ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ فتطلق واحدة وتنكح مكانها أخرى و ﴿ من ﴾ مزيدة لتأكيد الاستغراق. ﴿ ولو أعجبك حسنهن ﴾ حسن الأزواج المستبدلة، وهو حال من فاعل ﴿ تبدل ﴾ دون مفعوله وهو ﴿ من أزواج ﴾ لتوغله في التنكير، وتقديره مفروضا إعجابك بهن واختلف في أن الآية محكمة أو منسوخة بقوله: