﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا ففروا إلى داخل المدينة. ﴿ وإن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية. ﴿ يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب ﴾ تمنوا أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب. ﴿ يسألون ﴾ كل قادم من جانب المدينة. ﴿ عن أنبائكم ﴾ عما جرى عليكم. ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال. ﴿ ما قاتلوا إلا قليلا ﴾ رياء وخوفا من التعيير.
33.21-26
﴿ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ﴾ خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد، أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديدا أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد، وقرأ عاصم بضم الهمزة وهو لغة فيه. ﴿ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة، أو أيام الله واليوم الآخر خصوصا. وقيل هو كقولك أرجو زيدا وفضله، فإن ﴿ اليوم الآخر ﴾ داخل فيها بحسب الحكم والرجاء يحتمل الأمل والخوف و ﴿ لمن ﴾ كان صلة لحسنة أو صفة لها. وقيل بدل من ﴿ لكم ﴾ والأكثر على أن ضمير المخاطب لا يبدل منه. ﴿ وذكر الله كثيرا ﴾ وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ بقوله تعالى:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
[البقرة: 214] الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام
" سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم "
وقوله عليه الصلاة والسلام:
" إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر "
وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الراء وفتح الهمزة. ﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ ظهر صدق خبر الله ورسوله أو صدقا في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء، وإظهار الاسم للتعظيم. ﴿ وما زادهم ﴾ فيه ضمير ﴿ لما رأوا ﴾ ، أو الخطب أو البلاء. ﴿ إلا إيمانا ﴾ بالله ومواعيده. ﴿ وتسليما ﴾ لأوامره ومقاديره.
﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه ﴾ من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة لإعلاء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق، فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه. ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب النذر واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان. ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة رضي الله عنهما. ﴿ وما بدلوا ﴾ العهد ولا غيروه. ﴿ تبديلا ﴾ شيئا من التبديل. روي أن طلحة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى أصيبت يده فقال عليه الصلاة والسلام:
" أوجب طلحة "
وفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل، وقوله:
﴿ ليجزى الله الصدقين بصدقهم ويعذب المنفقين إن شاء أو يتوب عليهم ﴾ تعليل للمنطوق والمعرض به، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، والتوبة عليهم مشروطة بتوبتهم أو المراد بها التوفيق للتوبة. ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾ لمن تاب.
﴿ ورد الله الذين كفروا ﴾ يعني الأحزاب.
﴿ بغيظهم ﴾ متغيظين. ﴿ لم ينالوا خيرا ﴾ غير ظافرين وهما حالان بتداخل أو تعاقب. ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بالريح والملائكة. ﴿ وكان الله قويا ﴾ على إحداث ما يريده. ﴿ عزيزا ﴾ غالبا على كل شيء.
﴿ وأنزل الذين ظهروهم ﴾ ظاهروا الأحزاب. ﴿ من أهل الكتب ﴾ يعني قريظة. ﴿ من صياصيهم ﴾ من حصونهم جمع صيصية وهي ما يتحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك. ﴿ وقذف فى قلوبهم الرعب ﴾ الخوف وقرىء بالضم. ﴿ فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ﴾ وقرىء بضم السين روي:
" أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب فقال: أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فأذن في الناس أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم إحدى وعشرين أو خمسا وعشرين حتى جهدهم الحصار فقال لهم: تنزلون على حكمي فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، فقتل منهم ستمائة أو أكثر وأسر منهم سبعمائة "