تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون

[يس: 51] هذا تصوير لهيئة الصعقة، وكيفية الخروج من القبور ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68]. وكلمة ينسلون دلت على تفرق بعد اجتماع، كما نقول للقماش نسل يعني: بعد أن كانت خيوطه متضامة متماسكة تفككت، وهذا تصوير دقيق وتعبير بليغ يصور الحالة التي كانت توجد في القبور حين يلتقي الأموات في باطن الأرض، لأن الناس في الدنيا وهم في سعة الحياة دائما ما يتخاصمون ويتشاجرون وتكثر بينهم العداوات والمنافسات. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى فقال:

رب لحد قد صار لحدا مرارا

ضاحك من تزاحم الأضداد

فإذا ما ماتوا وضمتهم الأرض امتصت ما كان بينهم من أحقاد وعداوات، فخلصت عناصرهم خلوصا مكنهم من اللقاء والاجتماع، فيقولون: ما ألذ العناق قبل دقات الفراق. وكأنهم يفرحون بهذا الاجتماع وبهذا العناق لأنه يعوضهم ما كان بينهم من شقاق في الدنيا، فإذا ما جاءت النفخة الثانية تفكك هذا الاجتماع وتفرق، هذا معنى

ينسلون

[يس: 51] أي: كل على حدة بمفرده وشخصه كما ينسل الخيط من مكانه في النسيج ذلك لأن الجزاء أمر شخصي وكل مرتهن بعمله. ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ [الزمر: 68] أي: ينتظرون ما يقع بهم، أو ينظرون ما حولهم من أهوال تشخص لها الأبصار، كما قال تعالى في آية أخرى حكاية عنهم:

ربنآ أبصرنا وسمعنا

[السجدة: 12] قالوا: هذه هي الآية الوحيدة التي تقدم فيها البصر على السمع، لماذا؟ لأن الموقف هنا في الآخرة حين يبعث الناس من القبور، وحين تحيط بهم الأهوال والكروب من كل ناحية، وهذه الحالة تسبق فيها الأبصار الأسماع فيبصرون قبل أن يسمعوا. وبنفخة البعث تبدأ أهوال القيامة ويشتد الكرب على الكافرين فيرتعدون، فإذا ما صدق الله وعده ووعيده في قيام الساعة بأول مراحلها عندها يعلمون صدق ما كذبوه وكفروا به، هؤلاء الذين طالما كذبوا بالبعث وقالوا:

أءنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون

[الصافات: 16-17]. إذن: صدق الله في البعث وفي إحياء الموتى، وسيصدق سبحانه فيما يتلو ذلك من حساب وجزاء، والويل لكم أيها الكافرون المكذبون.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٢٤