تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. الخ. فهؤلاء جميعا لا يرضون أن يشفعوا لكم لأنكم مخالفون لهم في المنهج لذلك يكرهونكم فكيف يشفعون لكم، لذلك قال تعالى:

فما بكت عليهم السمآء والأرض..

[الدخان: 29]. فأثبت للسماء وللأرض بكاء، فإن كانت لا تبكي على هؤلاء المخالفين فهي ولا شك تبكي على المناقضين لهؤلاء المتفقين معها في العقيدة والمنهج، إذن: فالسماء والأرض وغيرهما من الجمادات لها تمييز وإلا ما بكت على أهل الطاعة ولم تبك على أهل المعصية. حتى نحن في التعبير الأدبي نقول: فلان نبت به الأرض يعني: كرهت إقامته عليها، لماذا؟ لأنه متمرد على الله مخالف لمنهجه وهي مسخرة مسبحة لذلك إن مات لا تبكي عليه. بل لسان حالها يقول له: أراحنا الله منك، أراح الله منك البلاد والعباد. وقد فسر لنا الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب. أي: المكان الذي يرفع فيه عمله الصالح، كما قال سبحانه

والعمل الصالح يرفعه

[فاطر: 10] وأما موضعه في الأرض فمصلاه. إذن: الذي جعلهم يتكلون ولا يخافون من الموت أنهم اتخذوا الشفعاء، وظنوا أنهم يدافعون عنهم، لكن نقبهم على شونة لأن الشفاعة ليست بمراد الشافع إنما بمراد المشفوع عنده، وهو سبحانه الذي يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له. لكن هل يحتاج من رضي الله عنه إلى شفاعة؟ قالوا: الإنسان قد تكون نواحي الخير فيه قليلة، لكن يتوفر لهذا القليل شرط الإخلاص فينميه ويثمره ويجبر الله عنده هذا النقص بأن يأذن لأحد المحبوبين عنده أن يشفع له.. وهذه الشفاعة ما شرعها الحق سبحانه إلا ليقبلها ويلطف بها. لذلك قالوا: إياك أن تحتقر عملا صالحا مهما كان يسيرا، فمن يدريك لعله يكون سببا في نجاتك. وورد في الحديث:

" إن الله أخفى ثلاثا في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته "

فلا تحقرن طاعة ما فقد غفر الله لرجل سقى كلبا يلهث من شدة العطش، وسقاه بجهد واحتيال حين لم يجد شيئا يخرج به الماء فخلع خفه وسقى به الكلب. ولو سقى هذا الرجل إنسانا لقلنا إنه سقاه لعلة، أو له عنده جميل، إنما سقى كلبا. وهذا يدل على أن العمل فيه إخلاص، لأنه لا ينتفع من الكلب بشيء، إنما تأصل السقاء في نفسه، فهو يحبه بصرف النظر عن المسقى، فالرجل طبع على الخير ولا يعنيه لمن يقدم هذا الخير. الثانية:

" وأخفى غضبه في معصيته "

فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فكما أنك لا تحقر طاعة قد يكون فيها نجاتك، كذلك لا تحقر معصية فقد يكون فيها هلاكك. الثالثة:

" وأخفى أسراره في خلقه "

فلا تحقرن خلقا ما. وقوله سبحانه: ﴿ قل أولو كانوا ﴾ [الزمر: 43] أي: هؤلاء الشفعاء ﴿ لا يملكون شيئا ولا يعقلون ﴾ [الزمر: 43] يعني: كيف تطلبون شفاعتهم، وهم على هذا الوصف؟ ﴿ قل لله الشفاعة جميعا ﴾ [الزمر: 44] لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه، يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له، فالشفاعة كلها لله وحده، لأن ﴿ له ملك السموت والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ [الزمر: 44] فالمتكبر المتأبى على منهجي سيرجع إلي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٩٤