إذن: في حالة الموت يكون له وعي آخر، البعض يتعجب وربما ينكر أن يضم القبر الواحد جسدين أحدهما ينعم والآخر يعذب، فلماذا لا تنكر مثل هذا في النوم مثلا، فأنت تنام مع غيرك في فراش واحد يرى هو أنه في رحلة ممتعة فيها ما لذ وطاب، وترى أنت أنك فيه تضرب أو تمر بحادث مؤلم، لا هو يدري بك ولا أنت تدري به. وقوله: ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ﴾ [الزمر: 42] أي: لا تعود إلى الجسم ﴿ ويرسل الأخرى.. ﴾ [الزمر: 42] أي: في حالة النوم يعود إليك الوعي والتمييز ﴿ إلى أجل مسمى.. ﴾ [الزمر: 42] إلى الأجل المعلوم الذي قدره الله لك في اللوح المحفوظ. ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ [الزمر: 42] ساعة تجد الذي يخبرك بشيء ينبه فيك أدوات التمييز بين المقولات التي هي العقل والفكر والذكر والتدبر، فثق بأنه ناصح لك لا يغشك ولا يدلس عليك، لأن الذي يريد غشك يأخذك على عجلة و يكلفتك، حتى لا تدري وجه الصواب ولا يعطيك الفرصة للبحث وتأمل الشيء. وسبق أن مثلنا لذلك ببائع القماش إن كان صادقا يعلم جودة بضاعته، فإنه يختبرها لك فيأخذ فتلة من الصوف مثلا ويحرقها أمامك، لترى بنفسك أنه صوف مائة بالمائة، أما الآخر فيحاول أن يلف ويدور ويخدعك بحيله حتى لا تكتشف فساد بضاعته، فالأول واثق من جودة البضاعة، وأنك مهما فعلت بها فسوف تصل إلى مراده. فساعة يقول الحق سبحانه أفلا تعقلون، أفلا تتذكرون، أفلا تتفكرون فاعلم أنه يهيج عندك أدوات البحث والتأمل والاختيار بين البدائل، ولا يصنع ذلك معك إلا وهو واثق أنك لو استعملت هذه الأدوات فلن تصل إلا إلى مراده منك.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٩٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي