ومآ أنت عليهم بجبار
[ق: 45] إنما أراد له أن يكون داعيا الحسنى، بحيث يأتي إليه الناس بالحب طواعية، ولو شاء لجعلهم كالملائكة وطبعهم على الطاعة. لذلك الكون الذي رضي أن يأتمر بأمر الله بدون اختيار له في شيء كان حكيما واعيا لأن المتحمل قد يضمن نفسه ساعة التحمل، لكن لا يضمن نفسه ساعة الأداء، والفارق بين مسلك الناس في الأمور أنهم يختلفون في إدراك المسئولية ساعة التحمل وساعة الأداء، وكل فساد بين الناس في التعامل إنما منشؤه هذه المسألة. وسبق أن مثلنا لذلك بالأمانة أودعها عندك لحين عودتي مثلا من السفر فتقبلها عندك، وحين أعود لا أجدها، فقد يطرأ عليك من الظروف ما يجعلك تتصرف فيها، وهنا تظهر حكمة الجمادات التي أبت أن تتحمل الأمانة، كما في قوله تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. وقوله سبحانه: ﴿ ومآ أنت عليهم بوكيل ﴾ [الزمر: 41] فيه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأن ربه يقول له: لا تتعب نفسك، ولا تحملها فوق طاقتها، فما عليك إلا البلاغ، فإن نالك شيء من أذاهم فاعلم أنه لا ينقص من مكانتك عندهم، فأنت عندهم الصادق الأمين، وهم يعلمون أنك على الحق، ومنزلتك عندهم كبيرة، ورأيهم فيك من أحسن الآراء، فلا تحزن لقولهم فيك: شاعر وساحر ومجنون:
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]. فكأن الحق سبحانه جعل المسألة عنده سبحانه وأعفى منها رسول الله، فأنت يا محمد لا غبار عليك، وما كذبك المكذبون الظالمون إلا لأنهم جحدوا بآياتي.