فأحس منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة
فكأن أعضائي خلقن قلوبا
فالحب عنده تعدى منطقته، حتى صار في كل أعضائه وجوارحه، وهكذا تتعدى الإذاقة منطقة الذوق لتشمل الجسم كله. لذلك كان قوله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56] آية من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مع أن الإعجاز باللغة والأسلوب والفصاحة خاص بالعرب، أما غير العربي فله إعجاز آخر يناسبه إعجاز بأن يأتي له القرآن بأقضية، لم تكن تخطر على البال ساعة نزول القرآن، ولم يعرفها العلم طوال قرون. والآن وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا من نزول القرآن يثبت العلم الحديث أن ما أخبر به الحق سبحانه في قرآنه هو الحق، وأنه سبحانه هو العالم بما يكون في كون الله باختيار خلق الله. قلنا: إنه لما انتهت الحرب العالمية الأولى وانهزمت ألمانيا جاء أحد علماء الاقتصاد بها ويسمى شاخت، وأراد أن يرفع من شأن بلاده، وأن ينهض بها بعد الهزيمة، ولما لم يتمكن من الخدمة في الجيش لأنه كان أعرج فأعمل عقله في خدمة بلاده، وشجع البحث العلمي فيها إلى أن توصلوا إلى اختراع أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما يسميه الفلاسفة والمراد به الذرة. فلما نجحوا في تفتيت الذرة، وأصبح لها أجزاء أصغر منها أخذها أعداء الإسلام فرصة للطعن في صدق القرآن الكريم، فقالوا لقد ضرب الله مثلا لأصغر شيء بالذرة في قوله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
[الزلزلة: 7-8] وها هو العلم يكتشف ما هو أصغر من الذرة.
لكن سرعان ما فتح الله على أهل العلم فردوا عليهم وقالوا لهم: تمهلوا واقرأوا القرآن كله، ولا تأخذوا منه ما يؤيد تهجمكم عليه، ففي آية أخرى قال الله تعالى:
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
[يونس: 61]. إذن: في القرآن احتياط لهذه المسألة، فلم يقل صغير بل أصغر من الصغير، فمهما حدث من تفتيت، ففي القرآن احتياط له. ومن إعجاز القرآن لغير العرب هذه الآيات العلمية التي يكتشفونها، فإذا بالقرآن يسبقهم إليها، ومن ذلك مثلا مسألة مراكز الإحساس في الجسم، أولا قالوا: المخ هو مركز الإحساس، وقال آخرون: بل النخاع الشوكي، بدليل أن الإنسان يحس بأشياء مع أنها لم تلمس جسمه، كما لو وضعت أصبعك مثلا مقابل عين إنسان، فإنه يغلق عينه تلقائيا. ثم لما تأملوا الإبرة أو الحقنة تعطى للمريض مثلا، فإنه لا يشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، فقالوا: إذن: الجلد هو مركز الإحساس، وهذا هو ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56]. وقوله تعالى: ﴿ ما كنتم تكسبون ﴾ [الزمر: 24] مادة كسب في القرآن الكريم جاءت كما قلنا على صيغتين: كسب واكتسب، وقد بين الحق سبحانه متعلق كل منهما في قوله تعالى:
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..
[البقرة: 286] فكسب للخير واكتسب للشر لأن كسب على وزن فعل، والخير يأتي من صاحبه طبيعيا لا تكلف فيه ولا افتعال، أما اكتسب فعلى وزن افتعل فيها افتعال، والافتعال لا يكون إلا في الشر، فالخير لا يحتاج منك إلى حيل وافتعال، بل يأتي طبيعيا على خلاف الشر. وقد أوضحنا هذه المسألة بالرجل يجلس مع زوجته وبناته، وينظر إلى جمالهن نظرا طبيعيا لا يحتاط فيه لشيء ولا يخشى فيه شيئا، أما إن أراد أن ينظر إلى امرأة جميلة في الشارع مثلا، فإنه يتلصص لذلك ويحتال، هذا هو الافتعال. لكن القرآن الكريم خالف هذه القاعدة في مواضع، منها هذه الآية ﴿ وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ﴾ [الزمر: 24] ولم يقل تكتسبون، فاستخدم كسب في الشر، وفي موضع آخر أيضا قال: