[القصص: 72] لأن البصر لا يكون إلا في ضوء النهار. ومعنى ﴿ مثاني.. ﴾ [الزمر: 23] يعني: مثنى يقال: مرة واثنين وثلاثة، أو: يثنى في الصلاة حيث نقرأ الفاتحة ثم سورة بعدها، وفي الركعة الثانية كذلك. وقوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.. ﴾ [الزمر: 23] وهذه صفة العبد الذي يخشى ربه ويراقبه ويعمل لنظره إليه حسابا، لأنه دائما يعرض سلوكه على ربه، فإن رأى فيه مخالفة عاد إلى كلام الله وتذكر وعيده فيحدث عنده قشعريرة في جلده من خشية ربه، وهي أن يجف الجلد ويقعقع وتحدث رعشة في البدن من خوف العذاب، ومن خوف غضب الله، ثم يعود فيتذكر رحمة ربه التي سبقت غضبه، وعفوه الذي سبق عقوبته، فيعود إلى حالته الأولى: ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ [الزمر: 23]. إذن: المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، وقلبه بين هذين الأمرين، فساعة يتذكر العقاب على المخالفة يقشعر جلده خوفا، وساعة يتذكر رحمة ربه يلين جلده ويهدأ قلبه، ولم لا وربه قد قال:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم
[الزمر: 53]. ذلك وهذا هو الذي يحدث للمؤمن ﴿ هدى الله يهدي به من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [الزمر: 23] وقد وقف كثيرون عند هذه الآية يقولون: ما دام أن الله هو الذي يضل فلم يعذب الضال؟ ومعنى ﴿ ومن يضلل ﴾ [الزمر: 23] يعني: يعلم ضلاله، ويعلم أنه لن يسمع كلامه ولن يتبع منهجه، وقد خلقه الله تعالى مختارا إن شاء آمن وإن شاء كفر، إذن: فالكافر ما كفر غصبا عن الله، إنما هل رضي الله منه ذلك؟ وقوله: ﴿ فما له من هاد ﴾ [الزمر: 23] يعني: إياكم أن تستدركوا على الله بأحكام بشرية تصنفها لكم عقول الذين يستنكفون أن يأخذوا عن الله، فما دام الله قال فلا يصح أن نستدرك عليه سبحانه لأنه لا يمكن أن نأتي بهدي أحسن من هدى الله.
ويجب على الأقل أن نفهم أن الذي يشرع شرعا يريد أن يحكم به الناس لا بد أن يكون غير منتفع به ليكون حكمه نزيها وموضوعيا لأنه لو كان منتفعا بالحكم لا بد أن يميل قلبه إليه ويسير هواه مع منفعته. يعني: مثلا لو شرع العمال لاختاروا الاشتراكية، ولو شرع الرأسماليون لاختاروا الرأسمالية، لذلك يشترط فيمن يشرع ألا يكون منتفعا بما يشرع، وهذا الشرط لا يتحقق إلا في الحق سبحانه. لذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يترك في كونه قضايا حتى عند الكافرين به، وعند غير المؤمنين بمنهجه، قضايا تدل على أن شرع الله هو الأحسن، فكثيرا ما وقفوا عند قضايا لم يجدوا لها حلا في قوانينهم، فلجأوا إلى دين الله وإلى شرع الله، لا لأنهم آمنوا به سبحانه، ولكن لأن قضاياهم وأمور حياتهم لا تحل إلا بهذا المنهج.