تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله..

[النور: 36-37]. ففي هذه البيوت التي يذكر فيها الله، ويسبح فيها الله، مكان تلقي فيض النور من الله، وتنزل الخيرات والرحمات لأن الآيات كانت تتكلم قبل ذلك عن نور الله، ومثل تنويره سبحانه للسماوات والأرض:

الله نور السموت والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور..

[النور: 35]. الحق سبحانه لا يضرب لنا مثلا لنوره، إنما مثلا لتنويره

الله نور السموت والأرض..

[النور: 35] أي: منورهما بخلقه، والمشكاة هي الطاقة غير النافذة في الحائط، والطاقة تكون محدودة المساحة غير واسعة، ثم هي غير نافذة، لذلك تجمع الضوء ولا تبدده، بحيث لا يبقى في المشكاة مكان مظلم. ثم إن المصباح ليس عاديا، إنما في زجاجة، لأن من المصابيح ما ليس له زجاجة والذي نسميه نحن الساروخ وهو يخرج لهبا أسود، لأن الهواء يداعبه من كل ناحية، أما الزجاجة فهي تنقي اللهب وتصفيه، حيث تمنع عنه الهواء إلا بمقدار الاحتراق، فيأتي اللهب صافيا لا دخان له، هذه هي التنقية الأولى. ثم إن الزجاجة هي أيضا غير عادية، إنما صافية في ذاتها، كأنها

كوكب دري..

[النور: 35] تعكس الضوء في كل ناحية. ثم إن هذا المصباح لا يوقد بزيت عادي، إنما

يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار..

[النور: 35] فهو زيت له مواصفات خاصة على أعدل المزاج. هكذا ومثل هذا ينور الله السماوات والأرض، فالمثال لتنوير الله لا لنور الله. وهذا هو النور الحسي، وحين تكمل القراءة تجد النور المعني في:

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه..

[النور: 36] وهذا هو النور في قوله: ﴿ فهو على نور من ربه.. ﴾ [الزمر: 22]. فالحق سبحانه أعطاكم النور الحسي الذي يعينكم على حركة الحياة، ليرى الإنسان مواضع قدمه فلا يحطم الأشياء ولا تحطمه إذا ما اصطدم بها، والنور المعنوي للقيم وللروح.

والحق سبحانه حين يعطينا هذا المثل، ويرينا أن المصباح لا يدع في المشكاة ظلمة أبدا، يعطينا بذلك إشارة إلى أن نوره المعنوي كذلك لا يترك عيبا إلا أصلحه، وأتاك نور يهديك وينجيك. وقوله سبحانه: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ﴾ [الزمر: 22] ويل لهم لأن قسوة قلوبهم حالت بينهم وبين الإيمان، فويل لهم ساعة يعرفون أن لهم ربا كفروا به، وتفاجئهم هذه الحقيقة التي طالما أنكروها. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه القضية في قوله سبحانه:

مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء..

[إبراهيم: 18]. والمعنى: أنهم حبطت أعمالهم وخاب سعيهم. وقال أيضا:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. فويل لهم ساعة يعرفون أنهم كفروا بالله وضاق صدرهم عن أن يتسع لنور الإيمان، فالويل لهم حاضر قبل أن يأتيهم العقاب. وقوله: ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ [الزمر: 22] أي: بين واضح، والضلال هو عدم الاهتداء في المهيع الذي يسير فيه، كالسائر مثلا في صحراء وضل فيها الطريق، إن ضلاله يبدأ بانحرافه عن الطريق الصحيح ولو بسنتيمترات، لأنها لا بد أن تنتهي به إلى مساحات شاسعة في الضلال، أرأيتم السيمافور في السكة الحديد، وكيف يحول القطار مثلا لبورسعيد أو الإسماعيلية أو طنطا إنه مجرد تحويل سن القضيب عدة ملليمترات ينتج عنها أن يتحول القطار في سيره من مكان إلى مكان آخر بعيد، فالمعنى: ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ [الزمر: 22] أي: لا يهتدون إلى شيء أبدا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦٩