تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رب اجعل هذا بلدا آمنا..

[البقرة: 126]. إلى قول نوح - عليه السلام -:

رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات..

[نوح: 28]. ويكفي في هذا القرب قول الله تعالى:

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

[ق: 16]. لذلك لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله:

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب..

[البقرة: 186]. إذن: فالله تعالى قريب منا بالفعل، وإن حدث بعد فمنك أنت، وأكثر ما يكون العبد قربا من الله حين يكون مضطرا، حتى إن كان بعيدا عن الله قبل الاضطرار. وفي آيتين فقط من كتاب الله نودي الرب - تبارك وتعالى - بأداة النداء يا الأولى:

وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا

[الفرقان: 30]. والأخرى:

وقيله يرب..

[الزخرف: 88]. وهذان الموضعان حكاية عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم تأت أداة النداء إلا من محمد صلى الله عليه وسلم في نداء ربه؟ قالوا: لأن سيدنا رسول الله كان شديد الحرص على هداية قومه ونصرة دعوته، حتى خاطبه ربه بقوله:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. وقد مر رسول الله بمواقف صعبة لدرجة جعلته يستبطئ نصر الله، فالله تعالى أنزل عليه:

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا..

[غافر: 51] ومع ذلك زلزل رسول الله والذين آمنوا معه كما قال سبحانه:

وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..

[البقرة: 214] فخاف صلى الله عليه وسلم أن يكون بعد عن ربه، وهذا البعد ما هو إلا مظنة من رسول الله، أو اتهام للنفس. فلما ذهب صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويشتكي إليه أن قومه هجروا القرآن نادى ربه من منزلة البعيد، فقال: يا رب وكأنه صلى الله عليه وسلم ظن في نفسه التقصير أو الفشل في مهمته ورأى أن ذلك يبعده عن ربه، لكن أنصفه ربه وأكد نداءه، بل وأقسم به، فقال الحق سبحانه:

وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون

[الزخرف: 88-89]. أي: أقسم بقولك يا محمد:

يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا

[الفرقان: 30] والحق سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء، يقسم بالملائكة وبالجماد، يقسم بالنبات، لكن الحق - سبحانه وتعالى - لم يقسم بأحد من الخلق إلا برسول الله في قوله تعالى:

لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون

[الحجر: 72]. أي: وتعميرك، أو وحياتك يا محمد. وكما أقسم سبحانه بحياة نبيه محمد أقسم بقوله، فقال سبحانه:

وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون

[الزخرف: 88]. ثم يخاطب الحق سبحانه عباده المؤمنين، فيقول تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٢٦