أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق..
[البقرة: 133] فدخل العم في مجمل الآباء. وكذلك سمى العم أبا في قوله تعالى:
وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر..
[الأنعام: 74] ومعلوم أنه كان عمه. وفي موضع آخر، جاءت عم بصيغة الجمع، وهو قوله تعالى:
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم..
[النور: 61]. فجاءت العم والخال هنا بصيغة الجمع، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث هنا عن البيوت التي يباح لك أن تأكل منها، وجاءت بيوت بصيغة الجمع، والعم له بيت واحد، فما دام قال بيوت فلا بد أن تأتي أعمامكم و أخوالكم بصيغة الجمع. ثم يقول تعالى: ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي.. ﴾ [الأحزاب: 50] الوهب: انتقال ملكية بلا مقابل، نقول: فلان وهبك كذا يعني: أعطاه لك بلا مقابل، ليس بيعا وليس بدلا مثلا. لذلك لما نزلت هذه الآية قالت السيدة عائشة: أتعجب لامرأة تبتذل نفسها، وتعطي نفسها لرجل هكذا مجانا بلا مقابل، فنزل النص ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي.. ﴾ [الأحزاب: 50] عندها قالت السيدة عائشة لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أرى الله يسارع إلى هواك، فقال لها صلى الله عليه وسلم:
" وأنت يا عائشة، لو اتقيت الله لسارع في هواك ".
والمعنى: أن الله يسارع في هواي، لأنني سارعت في هواه، طلب مني فأديت لذلك يلبي لي ما أريد من قبل أن أطلب منه. وقال ﴿ وامرأة مؤمنة.. ﴾ [الأحزاب: 50] لأن الهبة هنا خاصة بالمؤمنة، فإن كانت كتابية لا يصح أن تهب نفسها للنبي، لكن أتحل له المرأة بمجرد أن تهب نفسها له؟ قالوا: لا، إنما لا بد من القبول، فإن قالت المرأة لرسول الله: أنا وهبت نفسي لك لا بد أن يقبل هو هذه الهبة لذلك علق على هذه المسألة بقوله ﴿ إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها.. ﴾ [الأحزاب: 50] لأن المسألة مبنية على إيجاب وقبول. وللعلماء كلام في هذه المسألة، فبعضهم قال: لم يأخذ رسول الله امرأة بهبة أبدا، وقال آخرون: بل عنده أربع موهوبات هن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة أم المساكين، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. وليس في هذا التعارض فزورة، فمن السهل أن نجمع بين هذين القولين لأن الله تعالى قال: ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها.. ﴾ [الأحزاب: 50] فربما وهبت نفسها للنبي، لكنه لم يرد، أو وهبت نفسها للنبي، فأراد أن يكرمها، وأن يجعل لها مهرا ويتزوجها. وكلمة ﴿ يستنكحها.. ﴾ [الأحزاب: 50] مثل ينكحها، فهما بمعنى واحد، مثل: عجل واستعجل. ومعنى ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين.. ﴾ [الأحزاب: 50] أن الله تعالى خص رسوله بأشياء ميزة بها لأن مهمته صلى الله عليه وسلم ليست مع نفسه هو، إنما مهمته مع الناس جميعا، وليس للناس المعاصرين له فحسب، إنما جميع الناس حتى قيام الساعة. إذن: فمشغولياته صلى الله عليه وسلم كثيرة كبيرة، كما قال سبحانه:
إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا
[المزمل: 5]. لذلك أراد الحق سبحانه ألا يشغله شيء عن مهمته هذه، وأراد أن يتوفر رسول الله لأداء هذه المهمة التي هو بصددها، بحيث إذا ما عشق عملية البلاغ عن الله واندمج فيها ومعها تموت في نفسه كل الأهواء، ولا يبقى إلا انشغاله بمهمة الدعوة. بدليل أن الوحي في أوله كان يجهد سيدنا رسول الله، وكان جبينه يتفصد عرقا، ويذهب إلى أهله فربما يقول: زملوني زملوني، ودثروني دثروني، ثم شاء الله تعالى أن يرفع عنه هذه المعاناة، وأن يريحه مما أنقض ظهره وأتعبه، ففتر الوحي فترة عن رسول الله حتى استراحت أعصابه، وهدأت طاقته، وبقيت معه حلاوة ما أوحي إليه هذه الحلاوة التي جعلت سيدنا رسول الله يتشوق للوحي من جديد، وشوقك إلى الشيء ينسيك التعب في سبيله. وفي ذلك يقول تعالى: