عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا
[التحريم: 5]. ثم هبوا - جدلا - أن محمدا فعلها، ما العيب فيها وقد كان التعدد موجودا، ولم ينشىء رسول الله تعددا، كان التعدد موجودا في الأنبياء والرسل، وفيكم وعندكم. أما الذين يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه وسع على نفسه، فتزوج تسعا، وضيق على أمته بأربعة، فالرد على ذلك أن الله تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمهات للمؤمنين، وما دمن أمهات للمؤمنين، فليس لأحد أن يتزوجهن بعد رسول الله، أما غيرهن من المؤمنات فإن كان مع الرجل سبعة مثلا، فعليه أن يفارق ثلاثة منهن، وهؤلاء الثلاثة سيجدن من يتزوج بهن، إذن: على الرسول أن يمسك زوجاته كلهن، وعلى غيره من المؤمنين أن يفارقوا ما زاد على أربع. شيء آخر: تظنون أن رسول الله وسع الله له هذه المسألة، والحقيقة أن الله ضيق عليه إذا ما قارناه بغيره من عامة المؤمنين، فالمؤمن له أن يمسك أربع زوجات، فإذا ماتت إحداهن تزوج بأخرى، وإن طلق إحداهن تزوج بدلا منها، فإن متن جميعا أو طلقهن، فله أن يتزوج غيرهن حتى يكمل الأربعة، وهكذا يكون للمؤمن أن يتزوج بعدد كثير من النساء.
أما رسول الله - نعم تزوج تسعا - لكن خاطبه ربه بقوله:
لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن..
[الأحزاب: 52] فمن الذي ضيق عليه إذن؟ محمد أم أمته؟ ثم يا قوم تنبهوا إلى الفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، هل استثنى الله نبيه في العدد من أربع إلى تسع، أم استثناه في معدود بذاته، استثناه في المعدود لا في العدد، لأنه لو استثناه في العدد لكان له إذا ماتت إحدى زوجاته أن يتزوج بأخرى، إنما وقف به عند معدود بذاته، بحيث لو ماتوا جميعا ما كان له صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بعدهن. وبعد ذلك أظل الحكم على رسول الله هكذا؟ لا، إنما كان في بداية الأمر وبعد ذلك حينما استقرت الأمور وأمن الله رسوله قال له: افعل ما تشاء، لأنك مأمون على أمتك. ثم نقول: هبوا أن رسول الله له اختيار في هذه المسألة، ولم تكن مسبقة، ألم يؤد فعله هذا إلى إلغاء عادة التبني؟ ثم أنزعت الرسالة من رسول الله بعد أن فعل ما فعل؟ إذن: لا يتناقض مراد الله ومراد رسول الله. والذين تناولوا سيدنا رسول الله في هذه المسألة مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف - عليه السلام - لما قال الله فيه:
ولقد همت به وهم بها..
[يوسف: 24] وكأنهم أكثر غيرة على يوسف من ربه عز وجل، نعم هم بها يوسف أي: فكر فيها أو غير ذلك، ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في حيرتكم، لكن أنزع الله منه الرسالة بعد ما هم بها؟ إذن: همه بها لم يناقض الرسالة، فما تقولونه في هذه المسألة فضول منكم. ثم تأتي العلة في هذه المسألة ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا.. ﴾ [الأحزاب: 37] ثم تختم الآية بما لا يدع مجالا للشك في رسول الله: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [الأحزاب: 37] أي: لا بد أن يحدث، ولن يترك لأي شخص آخر، حتى لا تفسد القضية في إلغاء عادة التبني، إذن، فزواج رسول الله من امرأة متبناه ما كان إلا لرفع الحرج عن جميع المؤمنين، والآن يصح لكل متبن أن يتزوج امرأة متبناه.