تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه..

[الأحزاب: 37] يأخذونها سبة في حق الرسول، فعليهم أن يعلموا أن الخشية نوعان: خشية من شيء تخاف أن يضرك، وخشية استحياء، فالخشية في

وتخشى الناس..

[الأحزاب: 37] خشية استحياء، ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله صلى الله عليه وسلم:

إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق..

[الأحزاب: 53]. فالخشية هنا تعني خوف رسول الله من ألسنة الكفار التي ستخوض في حقه، والتي ستقول إن محمدا تزوج من امرأة متبناه، لكن غاب عن هؤلاء أن الله تعالى ألغى مسألة التبني، فليس لهم حجة، وطبيعي أن يخاف رسول الله من ألسنة الكفار لأنه جاء لنقض عادات وتقاليد جاهلية، وكان هو صلى الله عليه وسلم أول من تحمل تبعة هذا التغيير لأنه جاء على يديه وفي شخصه صلى الله عليه وسلم.

وسيدنا رسول الله حين يستحي من زواجه من زينب أو من كلام الناس، فإنما يريد أن يبرىء عرضه وساحته، مما يشين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يدفع الشبهة عن نفسه دائما، لذلك

" لما رآه بعض أصحابه مع امرأة، فمالوا عنه صلى الله عليه وسلم خشية أن يتسببوا له في حرج، فناداهما رسول الله: " على رسلكما إنها صفية " فقالوا: نحن لا نشك فيك يا رسول الله، فقال: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ".

فرسول الله يريد أن ينفض عن نفسه أي شبهة، يريد ألا يجعل لأحد جميلا عليه، بأنه ستر على رسول الله. ولا أدل على حيائه صلى الله عليه وسلم من قصته مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فلما دخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا ومنتصرا كان قد أهدر دم عبد الله بن سعد بن أبي السرح لأنه نال كثيرا من رسول الله، فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه يستأمن لعبد الله من رسول الله - يعني: يطلب له الأمان - فما رد عليه رسول الله، وكان ينتظر أن يقوم رجل من القوم فيقتل عبد الله، لكن عثمان أعادها مرارا على رسول الله حتى أنه استحى من عثمان فأمن عبد الله، فلما أمنه أخذه عثمان وانصرف من مجلس رسول الله. فقال رسول الله لصحابته:

" ألم يكن فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ "

يعني: قبل أن يكلمه عثمان فيكون قد سبق السيف العذل كما يقولون، فقام عبد الله بن بشر وقال: يا رسول الله، لقد كانت عيني في عينك، أنتظر إشارة منك لأقتله، لكنك لم تفعل، فقال سيدنا رسول الله - انظر إلى العظمة

" ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".

أذكر أنه كان لنا أستاذ، هو سيدنا الشيخ موسى شريف رحمه الله ورضي الله عنه، وكان رجلا له مدد من الله، وقد فسر لنا هذه الآية، وكنا نذاكر دروسنا قبل أن نحضر درسه، وكان يصطفيني من بين إخواني الموجودين أمثال الشيخ حسن جاد، والدكتور خفاجة وأبي العينين وغيرهم، ليسألني عن مذاكرتنا وما وقف أمامنا من قضايا، فناداني وكان قد علم من أبي اسم أمي، فناداني بها فتقدمت إليه، فضربني على قفاي ضربة انحلت معها القضية التي كانت تقف أمامنا، تماما كما تضرب الذي يعاني من الزغطة ضربة على ظهره فتذهب. ولما حدثنا الشيخ عن قصة سيدنا عثمان هذه جاء في اليوم التالي وقال: يا أولاد، رأينا الليلة سيدنا عثمان بحيائه، فقلت له: كيف تستأمن لرجل قال في رسول الله كذا وكذا؟ فقال لي: ألا تعلم أن الله يحب من تاب، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم يقل: " أنا رأيت رسول الله - ما الذي جعلك تقبل شفاعة عثمان؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته كان شديد الحياء.

ثم يقول تعالى: ﴿ ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ﴾ [الأحزاب: 36] وهنا ثلاثة توكيدات: قد الدالة على التحقيق وبعدها الفعل الماضي، ثم المفعول المطلق ضلالا، ثم وصف هذا الضلال بأنه مبين. والضلال هو عدم الاهتداء إلى الطريق المؤدي إلى الغاية، لكن قد يضل إنسان طريقه، ثم يأتي من يفتح عليه ويدله، أما هذا الذي يعصي الله ورسوله، فضلاله ضلال مبين لا يجد من يدله، ولا من يهديه أبدا لأن هذا الطريق الذي يسير فيه موصل إلى الآخرة، وليس هناك شيء من ذلك. كانت هذه لقطة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عثمان وعباد بن بشر أوضحت صفة الحياء في رسول الله، نعود بعدها إلى ما كنا بصدده من الحديث عن الرياضة الإيمانية التي جمعت بين رسول الله وكل من زيد وزينب. وكان سيدنا رسول الله إذا غاب زيد يذهب فيسأل عنه، فذهب مرة، فرأى زينب منشغلة في أمور بيتها، وكانت زينب على حالة طيبة، فقال صلى الله عليه وسلم: " تبارك الله أحسن الخالقين " كما ترى مثلا ابنتك في مظهر حسن، فتقول: ما شاء الله. وكأن رسول الله أراد أن يطيب خاطرها، أو يرفع من روحها نظير ما أجبرها عليه من الزواج بزيد، ونظير أنها تعيش معه على مضض، فلما جاء زيد قالت له: لقد جاء رسول الله وسأل عنك وقال لي: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال لها: يا زينب أرى أن تكوني لرسول الله لأنك وقعت في قلبه، وأرى أن أطلقك ليتزوجك رسول الله، فبدا عليها الارتياح، وتعجبت كأنها لم تصدق: إذا طلقتني أتزوج برسول الله، كان هذا الحوار مجرد كلام. وبالله لو قيل هذا الكلام في غير هذا الموقف، ولواحد غير زيد لغلى الدم في عروقه، وفعل ما أفعل، إنما تأمل الرياضة الإيمانية التي تحلى بها زيد. يقول تعالى في هذه المسألة: ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٧٠