وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول..
[التغابن: 12]. ومرة:
وأطيعوا الله والرسول..
[آل عمران: 132]. ومرة يقول تعالى:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..
[النساء: 59]. وهذه الصيغ، لكل منها مدلول ومعنى، فساعة يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، كأن لله في الأمر طاعة في الإجمال، وللرسول طاعة في التفصيل، فالحق سبحانه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة أمر إجمال، ثم بين الرسول ذلك وفصل هذا الإجمال، فقال:
" صلوا كما رأيتموني أصلي "
وقال:
" خذوا عني مناسككم ".
إذن: تكرر الفعل هنا لأن لله طاعة في إجمال الحكم، وللرسول طاعة في تفصيله، فإن جعل الفعل واحدا
وأطيعوا الله والرسول..
[آل عمران: 132] فهذا يعني توارد أمر الله تعالى مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالطاعة إذن واحدة، وهب أن الله تعالى له فعل، ورسوله له فعل، فلا يفصل أحدهما عن الآخر، بدليل قوله تعالى:
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله..
[التوبة: 74]. فلم يقل: وأغناهم رسوله حتى يقول قائل: كل منهما يغنى بقدرة، انما جاء الفعل واحدا
أغناهم الله ورسوله..
[التوبة: 74]. واقرأ أيضا قوله تعالى:
والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين
[التوبة: 62] ولم يقل: يرضوهما. أما قوله تعالى:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..
[النساء: 59] فلم يكرر الأمر بالطاعة مع أولي الأمر لأنه لا طاعة لولي الأمر إلا من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله. ثم يقول سبحانه: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ [الأحزاب: 33] الرجس بالسين هو الرجز بالزاي، وهو القذارة، سواء أكانت حسية كالميتة مثلا، وكالخمر، أو معنوية كالآثام والذنوب، وقد جمعتها الآية:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
[المائدة: 90] وقد يراد بالرجس: النفاق والمرض. وكلمة أهل تقال: لعشيرة الرجل، لكنها تطلق في عرف الاستعمال على امرأته، ومن بقية الاصطلاحات لهذا المعنى ما نقوله الآن حين نذهب لزيارة صديق مثلا فنقول: معي الأهل أو الجماعة، والبعض يقول: معي الأولاد، ونقصد بذلك الزوجة، لماذا؟ قالوا: لأن أمر المرأة مبني على الستر، فإذا كان اسمها مبنيا على الستر، فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل، ونادرا ما يأتي الحكم خاصا بها.
لذلك، السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة، فلما عادت سألت: أنزل شيء من أمر المرأة في غيبتي؟ فقالوا لها: لم ينزل شيء، فذهبت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، ما أعظم خيبتنا وخسارتنا، فليس لنا في الأحكام شيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكن مستورات في الرجال ". ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى:
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما
[الأحزاب: 35]. وتلحظ في هذه الآية أيضا ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ [الأحزاب: 33] أنها تتحدث عن النساء، لكنها تراعي مسألة ستر المرأة فتعود إلى ضمير الذكور ﴿ ليذهب عنكم.. ﴾ [الأحزاب: 33] ولم تقل عنكن، كذلك في ﴿ ويطهركم تطهيرا ﴾ [الأحزاب: 33] ويصح أنه يريد أهل البيت جميعا رجالا ونساء.