تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيا هازئا من صنوف القدر

بنفسك تعنف لا بالقدر

ويا ضاربا صخرة بالعصا

ضربت العصا أم ضربت الحجر

فالحق سبحانه يضرب المثل ليشعركم به، وتحسون به حس الألم من الضرب، فإذا لم يحس الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحس بالضرب الحقيقي المادي، وهذا والعياذ بالله عديم الإحساس أو مشلول الحس. فالمعنى: ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل.. ﴾ [الروم: 58] يعني: أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد إلا أن يستقبلها كما يستقبل الضرب لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل الإدراك. وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله:

الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..

[النور: 35]. والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض، إنما مثل لتنويره للكون الواسع، وهو سبحانه ينورك حسيا بالشمس وبالقمر وبالنجوم، وينورك معنويا بالمنهج وبالقيم. ففائدة النور الحسي أن يزيل الظلمة، وأن تسير على هدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أن تحطم ما هو أقل منك أو يحطمك ما هو أقوى منك، والمحصلة ألا تضر الأضعف منك، وألا يضرك الأقوى منك. كذلك النور المعنوي، وهو نور القيم والمنهج يمنعك أن تضر غيرك، ويمنع غيرك أن يضرك، وكما ينجيك النور الحسي من المعاطب الحسية كذلك ينجيك نور القيم من المعاطب المعنوية. لذلك يقول سبحانه بعد أن ضرب لنا هذا المثل:

نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

[النور: 35]. وسبق أن ذكرنا ما كان من مدح أبي تمام لأحد الخلفاء:

إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقال أحد حساده على مكانته من الخليفة: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب؟ فأطرق هنيهة، ثم أكمل على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلا من المشكاة والنبراس

الأعجب من هذا أنهم أخذوا الورقة التي معه، فلم يجدوا فيها هذين البيتين، وهذا يعني أنه ارتجلهما لتوه، وقد قلت: والله لو وجدوا هذه الأبيات معدة معه لما قلل ذلك من شأنه، بل فيه دلالة على ذكائه واحتياطه لأمره وتوقعه لما قد يقوله الحساد والحاقدون عليه. لكن لم تجد هذه الأمثال ولم ينتفعوا بها، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد بل: ﴿ ولئن جئتهم بآية.. ﴾ [الروم: 58] أي: جديدة ﴿ ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ﴾ [الروم: 58] فيتهمون الرسل في بلاغهم عن الله بأنهم أهل باطل وكذب. والحق سبحانه يحتج على الناس في أنه لم يجبهم إلى الآيات التي اقترحوها لأن السوابق مع الأمم التي كذبت الرسل تؤيد ذلك، فقد كانوا يطلبون الآيات، فيجيبهم الله إلى ما طلبوا، فما يزدادون إلا تكذيبا. لذلك يقول سبحانه:

وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون..

[الإسراء: 59]. فالأمر لا يتعدى كونهم يريدون إطالة الإجراءات وامتداد الوقت في جدل لا يجدي، ثم إن في إجابتهم إلى ما طلبوا رغم تكذيبهم بالآيات السابقة احتراما لعدم إيمانهم، ودليلا على أن الآيات السابقة كانت غير كافية، بدليل أنه جاءهم بآية أخرى، إذن: فعدم مجيء الآيات يعني أن الآيات السابقة كانت كافية للإيمان لكنهم لم يؤمنوا لذلك لن نجيبهم في طلب آيات أخرى جديدة. وهذه القضية واضحة في جدل إبراهيم - عليه السلام - مع النمروذ في قوله تعالى:

ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت..

[البقرة: 258]. وعندها شعر إبراهيم عليه السلام بأن خصمه يميل إلى الجدل والسفسطة، وأنه يريد إطالة أمد الجدل، ويريد تضييع الوقت في أخذ ورد لذلك أضرب عن هذه الحجة - مع أن خصمه لا يميت ولا يحيى على الحقيقة - وألجأه إلى حجة أخرى لا يستطيع منها فكاكا، ولا يجد معها سبيلا للمراوغة فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٩٩