إني وهن العظم مني..
[مريم: 4] يعني: وصلت إلى مرحلة الحرض التي لا أمل معها في قوة، ويؤكد هذا المعنى بقوله
واشتعل الرأس شيبا..
[مريم: 4]. وقلنا: إن بياض الشعر ليس لونا، إنما البياض انعدام اللون لذلك فاللون الأبيض ليس من ألوان الطيف، ومع الشيخوخة تضعف أجهزة الإنسان، وتضعف الغدد المسئولة عن لون الشعر عن إفراز اللون الأسود، فيظهر الشعر بلا لون. ونلحظ أن أغلب ما يشيب الناس يشيبون مما يعرف ب " السوالف " من هنا ومن هنا، لماذا؟ قالوا: لأن الشعرة عبارة عن أنبوب دقيق، فإذا قصت أثناء الحلق ينفتح هذا الأنبوب، وتدخله بعض المواد الكيمياوية مثل الصابون والكولونيا، فتؤثر على الحويصلات الملونة وتقضي عليها لذلك نلاحظ هذه الظاهرة كثيرا في المترفين خاصة لذلك تجد بعض الشباب يظهر عندهم الشيب في هذه المناطق من الرأس. وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولا
وهن العظم مني..
[مريم: 4] ثم
واشتعل الرأس شيبا..
[مريم: 4] ومع كبر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقرا إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشره بولد وسماه يحيى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إياكم، ألا أستطيع أن أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: ﴿ يخلق ما يشآء.. ﴾ [الروم: 54].
وقال في شأن زكريا عليه السلام:
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا
[مريم: 9]. وقوله تعالى: ﴿ وهو العليم القدير ﴾ [الروم: 54] أي: أن هذا الخلق ناشىء عن علم
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
[الملك: 14] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالما لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة. إذن: هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه العمل شيئا ولا يستغرق وقتا لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كن فيكون لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك. وإلا فقل لي: ماذا تفعل إن أردت أن تقوم مثلا أو تحمل شيئا مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أن تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإن قلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟ وسبق أن ضربنا مثلا لتوضيح هذه المسألة بالبلدوزر، فلكل حركة منه ذراع خاص بها يحركه السائق، وأزرار يضرب عليها، وربما احتاج السائق لأكثر من أداة التحريك هذه الآلة حركة واحدة. أما أنت فمجرد أن تريد تحريك العضو تجده يتحرك معك كما تريد دون أن تعرف العضلات والأعصاب التي شاركت في حركته، فإذا كنت أنت على هذه الصورة، أتعجب من أن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويوم تقوم الساعة... ﴾.