تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك استخدم مع النعم إذا الدالة على التحقيق، ومع المصيبة استخدم إن الدالة على الشك، ومن ذلك قوله تعالى:

إذا جآء نصر الله والفتح

[النصر: 1] فاستعمل إذا لأنها تدل على التحقيق وترجح حدوث النصر، وقال سبحانه:

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره..

[التوبة: 6]. كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة الرحمة، إنما ذكرت سبب المصيبة ﴿ بما قدمت أيديهم.. ﴾ [الروم: 36] ليدل على عدله تعالى في إنزال المصيبة، وتفضله في إذاقة الرحمة لأن الرحمة من الله والنعم فضل من الله. لكن في المصيبة قال ﴿ بما قدمت أيديهم.. ﴾ [الروم: 36] فذكر العلة حتى لا يظن أحد أن الله تعالى يجري المصيبة على عبده ظلما، بل بما قدمت يداه، فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي. وبين الفضل والعدل بون شاسع، فلو جاءك خصمان لتحكم بينهما تقول: أحكم بينكما بالعدل، أم بأفضل من العدل؟ يقول: وهل هناك أفضل من العدل؟ إذن: نريد العدل، لكن تنبه لأن العدل يعطيك حقك، والفضل يتركك حقك. فكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أن تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم، لا إنما بالتفضل عليكم:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

[يونس: 58]. يعني: مهما جمعتم من الطاعات فلن تكفيكم، ولا نجاة لكم إلا برحمة من الله وفضل. فالحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نعرف أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نعم لا تعد ولا تحصى لا يعاقبكم إلا بشيء اقترفتموه يستحق العقاب ذلك لأنه رب رحيم حكيم. وما دام الأمر كذلك فانظر إلى آثار رحمة ربك في الكون، وتأمل هذه النعم، وقف عند دقة الأسلوب في قوله سبحانه:

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها..

[إبراهيم: 34]. فالعد يقتضي الكثرة و

نعمت..

[إبراهيم: ] مفرد، فكيف نعد يا رب؟ قالوا: نعم هي نعمة واحدة، لكن في طياتها نعم فلو فتشتها لوجدت عناصر الخيرية فيها لا تعد ولا تحصى. لذلك لما تعرضت الآيات لعد نعم الله استخدمت إن الدالة على الشك لأنها لا تقع تحت الحصر ولا العد، لكن على فرض إن حاولت عدها فلن تحصيها، والآن ومع تقدم العلوم وتخصص كليات بكاملها لدراسة علم الإحصاء، وخرجوا علينا بإحصاءات لأمور ولأشياء كثيرة في حياتنا، لكن لم يتعرض أحد لأن يحصي نعمة الله، لماذا؟ لأن الإقبال على الإحصاء لا يكون إلا مع مظنة أن تعد وتستوعب ما تحصيه، فإن كان خارج نطاق استيعابك فلن تتعرض لإحصائه كما لم يتعرض أحد مثلا لعد الرمال في الصحراء لذلك يشكككم الله في أن تعدوها

وإن تعدوا..

[إبراهيم: 34] فهو أمر مستبعد، ولن يكون.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٠