[المجادلة: 8]. فمن الذي أخبر رسول الله بما في نفوسهم؟ لقد خرق الله له حجاب المكان، وأخبره بما يدور في نفوس القوم، وأخبرهم رسول الله به، أما كان هذا كافيا لأن يؤمنوا بالله الذي أخرج مكنون صدورهم؟ إذن: المسألة عندهم عناد ولجاجة وإنكار. وكذلك ما كان من رسول الله في غزوة مؤتة التي دارت على أرض الأردن ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة - ونعلم أن أهل السيرة لا يطلقون اسم الغزوة إلا على التي حضرها رسول الله، وكل حدث حربي لم يحضره رسول الله نسميه سرية إلا مؤتة هي التي انفردت بهذه التسمية، فلماذا مع أن رسول الله لم يشهدها؟ قالوا: بل شهدها رسول الله وهو بالمدينة، بما كشف الله له من حجاب المكان وأطلعه على ما يدور هناك حتى كان يخبر صحابته بما يدور في الحرب كأنه يراها، فيقول: أخذ الراية فلأن فقتل، فأخذها فلان فقتل، فلما جاءهم الخبر وجدوا الأمر كما أخبر به سيدنا رسول الله. كما خرق له حجاب الماضي، فأخبره بحوادث في الأمم السابقة كما في قوله سبحانه:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر..
[القصص: 44]
وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا..
[القصص: 45]. كما خرق له صلى الله عليه وسلم حجاب المستقبل، كما في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها: { وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين.
. } [الروم: 3-4] فأروني أي قوة كمبيوتر في الدنيا تنبئنا بنتيجة معركة ستحدث بعد ثلاث إلى تسع سنين. فمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو النبي الأمي المقيم في جزيرة العرب ولا يعرف شيئا عن قوة الروم أو قوة الفرس - يخبرنا بهذه النتيجة لأن الذي يعلم الأشياء على وفق ما تكون هو الذي أخبره، وكون محمد صلى الله عليه وسلم يعلنها ويتحدى بها في قرآن يتلى إلى يوم القيامة دليل على تصديقه بمنطق الله له، وأنه واثق من حدوث ما أخبر به. ولهذه الثقة سمي الصديق صديقا، فحين أخبروه بمقالة رسول الله عن الإسراء ما كان منه إلا أن قال: إن كان قال فقد صدق ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بهذه النتيجة، ويراهن المشركين عليها، ويتمسك بها، وما ذاك إلا لثقته في صدق هذا البلاغ، وأنه لا يمكن أبدا أن يتخلف. وقوله تعالى ﴿ لله الأمر من قبل ومن بعد.. ﴾ [الروم: 4] يعني: إياكم أن تفهموا أن انتصار الفرس على الروم أو انتصار الروم على الفرس خارج عن مرادات الله، فلله الأمر من قبل الغلب، ولله الأمر من بعد الغلب. فحين غلبت الروم لله الأمر، وحين انتصرت الفرس لله الأمر لأن الحق سبحانه يهيج أصحاب الخير بأن يغلب أصحاب الشر، ويحرك حميتهم ويوقظ بأعدائهم مشاعرهم، وينبههم إلى أن الأعداء لا ينبغي أن يكونوا أحسن منهم. إذن: فنصر المكروه لله على المحبوب لله جاء بتوقيت من الله لذلك إياك أن تحزن حين تجد لك عدوا، فالأحمق هو الذي يحزن لذلك، والعاقل هو الذي يرى لعدوه فضلا عليه، فالعدو يذكرني دائما بأن أكون قويا مستعدا، يذكرني بأن أكون مستقيما حتى لا يجد عدوي مني فرصة أو نقيصة. العدو يجعلك تجند كل ملكاتك للخير لتكون أفضل منه لذلك يقول الشاعر:
عداي لهم فضل علي ومنة
فعندي لهم شكر على نفعهم ليا
فهم كدواء والشفاء بمره
فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
وهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
إذن: لله الأمر من قبل ومن بعد، وله الحكمة في أن ينتصر الباطل، ألا ترى غزوة أحد، وكيف هزم المسلمون لما خالفوا أمر رسول الله وتركوا مواقعهم طمعا في مغنم، انهزموا في أول الأمر، مع أن رسول الله معهم لأن سنة الله في كونه تقضي بالهزيمة حين نخالف أمر رسول الله، وكيف يكون الحال لو انتصر المسلمون مع مخالفتهم لأمر رسولهم؟ لو انتصروا لفقد أمر الرسول مصداقيته، ولما أطاعوا له أمرا بعد ذلك. وفي يوم حنين: