27.61
لما تكلم الحق سبحانه في الآية السابقة عن السماوات والأرض أتى بأشياء مشتركة بينهما، فالسماء ينزل منها الماء، والأرض تستقبل الماء، وتنبت لنا الحدائق ذات البهجة. أما في هذه الآية، فالكلام عن الأرض، لذلك ذكر لنا مسائل من خصوصيات الأرض، ﴿ أمن جعل الأرض قرارا.. ﴾ [النمل: 61] معنى: قرارا أي استقرارا، حيث خلقها سبحانه على هيئة مريحة تصلح لأن يستقر عليها الإنسان. ﴿ وجعل خلالهآ أنهارا ﴾ [النمل: 61] الماء ينزل من السماء وينتفع به من سقط عليه مباشرة، أما ما ينزل على الجبال فيجتمع في الوديان وتصنع له السدود لينتفع الناس به عند القحط، ومن ماء المطر ما ينساب في مجار تسمى الأنهار. وتستطيع أن تفرق بين النهر والقناة الصناعية، فالنهر ينساب الماء فيه من أعالي الجبال، ومن أماكن متفرقة تتتبع المنخفضات والسهل من الأرض الذي يستطيع الماء أن يشق مجراه فيه فتراه ملتويا متعرجا، يدور حول الجبال أو الصخور ليشق مجراه. أما القناة الصناعية، فتراها على هيئة الاستقامة، إلا إذا اعترض طريق حفرها مثلا أحد أصحاب النفوذ، فيحملهم على تغيير المسار والانحراف به ليتفادى المرور بأرضه. وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة إذا تبولت في أرض رملية ونظرت إلى مجرى البول، فتراه يسير متعرجا حسب طبيعة الأرض التي يمر بها. ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ [النمل: 61] الرواسي: هي الجبال الثابتة الراسية، وفي موضع آخر بين سبحانه الحكمة من هذه الجبال فقال:
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم
[النحل: 15]. فالحكمة من خلق الجبال تثبيت الأرض حتى لا تضطرب، ولو أنها خلقت على هيئة الثبات والاستقرار لما احتاجت إلى الجبال، إذن: هي مخلوقة على هيئة الحركة، ولا بد لها من مثقلات. ولا تقتصر الحكمة من خلق الجبال على تثبيت الأرض، إنما لها مهمة أخرى في قوله تعالى:
والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 3233]. فكيف تكون الجبال متاعا للإنسان وللحيوان؟ نعم، هي متاع لأنها مخزن مياه، حينما ينقطع المطر نجد المياه التي تساقطت على الجبال، إما في الأنهار، وإما في الشلالات، وخلف السدود بين الوديان، أو في العيون والآبار مما امتصته الأرض. وكما أن الجبال هي مخازن للمياه، هي أيضا مخازن للخصوبة التي تمد الأرض الزراعية عاما بعد عام بقدر، بحيث تستمر خصوبة الأرض، وسبق أن تكلمنا عن ظاهرة التعرية التي تفتت الطبقة العليا من الصخور، فتنزل إلى الوديان مع ماء المطر، وتختلط بالتربة الزراعية فتزيد من خصوبتها. ولولا صلابة الجبال وتماسك صخورها لتفتتت في عدة سنوات، ولفقدنا مصدر الخصوبة بعد ذلك، فهذه الظاهرة من علامات رحمة الله بخلقه لأنها تتناسب مع الزيادة السكانية بحيث كلما زاد السكان زادت الرقعة الخصبة الصالحة للزراعة.
وسبق أن قلنا: إنك حين تتأمل وضع الجبال مع الوديان تجد أن الجبل مثلث قاعدته إلى أسفل، وقمته إلى أعلى، أما الوديان فعلى عكس الجبال، فهي مثلث قاعدته إلى أعلى وقمته إلى أسفل، وهكذا نرى أن كل زيادة من طمى الجبل والغرين الذي يتفتت منه يزيد في مساحة الوادي، فتزداد الرقعة الخصبة كل عام مع زيادة السكان. لذلك يقول تعالى عن الجبال:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..
[فصلت: 9-10]. فجعل الجبال الرواسي هي مخازن القوت من طعام وشراب، ولك أن تتأمل نيل مصر وواديه، كيف تكون من الطمي الذي حملته المياه من أعالي الجبال في إفريقيا، ليكون هذه المنطقة الخصبة في مصر. ثم يقول سبحانه: ﴿ وجعل بين البحرين حاجزا ﴾ [النمل: 61]. البحرين: أي العذب والمالح لأن الماء: منه العذب، ومنه المالح، ومن قدرته تعالى وحكمته أن يحجز بينهما، وإن كان الماء المالح هو مصدر الماء العذب، لذلك جعل الله تعالى مساحة السطح للماء المالح ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وكلما اتسع سطح الماء اتسع البخر الذي يكون السحاب، بحيث يسقط المطر الكافي لمعيشة أهل الأرض. وما أجمل قول الشاعر المادح: