[الأنعام: 99] فإن لم تكونوا تملكونه، فكفاكم التمتع بالنظر إليه. ومن هذا الارتقاء الجمالي قوله تعالى بعد أن حدثنا عن الضروريات في الأنعام:
ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون
[النحل: 6]. وقال:
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة..
[النحل: 8]. فأعطانا ربنا - عز وجل - ضروريات الحياة، وأعطانا كمالياتها وجمالياتها. وتأمل دقة الأسلوب في ﴿ أمن خلق السماوات والأرض.. ﴾ [النمل: 60] فالضمير في ﴿ خلق ﴾ ضمير الغائب هو يعود على الله عز وجل، وكذلك في وأنزل أما في فأنبتنا فقد عدل عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم نحن الدال على التعظيم، فلماذا؟ قالوا: لأن نعم الله فيها أشياء لا دخل للإنسان فيها كالخلق وإنزال المطر، ومثل هذه المسائل لا شبهة لاشتراك الإنسان فيها، وهناك أشياء للإنسان دخل فيها كالزرع والإنبات، فهو الذي يحرث ويزرع ويسقي.. الخ مما يوحي بأن الإنسان هو الذي ينبت النبات، فأراد سبحانه أن يزيل هذا التوهم، فنسب الإنبات صراحة إليه - عز وجل - ليزيل هذه الشبهة. وربك - سبحانه وتعالى - يحترم فعلك، ويذكر لك سعيك، فيقول:
أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 63-64] نعم لك عمل وسعي في هذه المسألة، لكنك استخدمت الأرض المخلوقة لله، وآلة الحديد المخلوقة لله، والبذور المخلوقة لله، والماء المخلوق لله، أما مسألة الإنبات نفسها فلا دخل لك بها، فلا تقل زرعت لأننا نحن الزارعون حقيقة، لكن قل: حرثت وسقيت. لذلك تجد الرد في آخر الآية نافيا لأي شبهة في أن لك دخلا في مسألة الزرع:
لو نشآء لجعلناه حطاما..
[الواقعة: 65] وأكد الفعل بلام التوكيد لينفي هذه الشبهة. على خلاف الكلام عن الماء، حيث لا شبهة لك فيه، فيأتي نفس الفعل، لكن بدون لام التوكيد:
أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون
[الواقعة: 68-70]. ومعنى: ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ [النمل: 60] العدل معلوم أنه صفة مدح فساعة تسمع ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ [النمل: 60] قد تظن أنها صفة طيبة فيهم، لكن لا بد في مثل هذا اللفظ من تدقيق لأنه يحمل معاني كثيرة. نقول: عدل في كذا يعني: أنصف، وعدل إلى كذا يعني: مال إليه، وعدل عن كذا: يعني: تركه وانصرف عنه، وعدل بكذا، يعني: سوى. فالمعنى هنا ﴿ يعدلون ﴾ [النمل: 60] عنه، ويا ليتهم يعدلون عنه فحسب، إنما يعدلون عنه إلى غيره، ويسوون به غيره، كما قال سبحانه في موضع آخر:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون
[الأنعام: 1]. أي: يسوونه سبحانه بغيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أمن جعل الأرض... ﴾.