27.45
مرت بنا قصة نبي الله صالح - عليه السلام - مع قومه ثمود في سورة الشعراء، وأعيد ذكرها هنا لأن القرآن يقص على رسول الله من موكب الأنبياء ما يثبت به فؤاده، كلما تعرض لأحداث تزلزل الفؤاد، يعطيه الله النجم من القرآن بما يناسب الظروف التي يمر بها، وهذا ليس تكرارا للأحداث، إنما توزيع للقطات، بحيث إذا تجمعت تكاملت في بناء القصة. وقوله سبحانه ﴿ ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا.. ﴾ [النمل: 45] لا بد أنه أرسل بشيء ما هو؟ ﴿ أن اعبدوا الله.. ﴾ [النمل: 45] لذلك سميت أن التفسيرية، كما في قوله تعالى:
وأوحينآ إلى أم موسى..
[القصص: 7] ماذا؟
أن أرضعيه..
[القصص: 7]. وقد يأتي التفسير بجملة، كما في:
فوسوس إليه الشيطان..
[طه: 120] بأي شيء؟
قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
[طه: 120]. فشرح الوسوسة وهي شيء عام بقوله:
قال يآدم..
[طه: 120] فرسالتنا إلى ثمود ملخصها ومؤداها ﴿ أن اعبدوا الله.. ﴾ [النمل: 45]. والعبادة كما ذكرنا أن نطيع الله بفعل ما أمر، وبترك ما نهى عنه وزجر، أما ما لم يرد فيه أمر ولا نهي فهو من المباحات إن شئت فعلتها، وإن شئت تركتها، وإذا ما استعرضنا حركة الأحياء والخلفاء في الأرض وجدنا أن 5% من حركتهم تدخل فيها الشارع بافعل ولا تفعل، أما الباقي فهو مباح. إذن: فالتكليف منوط بأشياء يجب أن تفعلها لأن فيها صلاح مجتمعك، أو أشياء يجب أن تتركها لأن فيها فساد مجتمعك. فماذا كانت النتيجة؟ ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ [النمل: 45]. والاختصام أن يقف فريق منهم ضد الآخر، والمراد أن فريقا منهم عبدوا الله وأطاعوا، والفريق الآخر عارض وكفر بالله. وقد وقف عند هذه الآية بعض الذين يحبون أن يتهجموا على الإسلام وعلى أسلوب القرآن، وهم يفتقدون الملكة العربية التي تساعدهم على فهم كلام الله، وإن تعلموها فنفوسهم غير صافية لاستقبال كلام الله، وفيهم خبث وسوء نية. واعتراضهم أن ﴿ فريقان.. ﴾ [النمل: 45] مثنى و ﴿ يختصمون ﴾ [النمل: 45] دالة على الجمع، فلماذا لم يقل: يختصمان؟ وهذه لغة القرآن في مواضع عدة. ومنها قوله تعالى:
وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما..
[الحجرات: 9]. والقياس يقتضي أن يقول: اقتتلتا. لكن حين نتدبر المعنى نجد أن الطائفة جماعة مقابل جماعة أخرى، فإن حدث قتال حمل كل منهم السلاح، لا أن تتقدم الطائفة بسيف واحد، فهم في حال القتال جماعة. لذلك قال اقتتلوا بصيغة الجمع، أما في البداية وعند تقرير القتال فلكل طائفة منهما رأي واحد يعبر عنه قائدها، إذن: فهما في هذه الحالة مثنى.
كما أن الطائفة وإن كانت مفردة لفظا إلا أنها لا تطلق إلا على جماعة، فيقف كل واحد من الجماعة بسيفه في مواجهة آخر من الطائفة الأخرى. وهنا أيضا ﴿ فإذا هم فريقان.. ﴾ [النمل: 45] أي: مؤمنون وكافرون ﴿ يختصمون ﴾ [النمل: 45] لأن كل فرد في هذه الجماعة يقف في مواجهة فرد من الجماعة الأخرى. وفي موضع آخر، شرح لنا الحق - تبارك وتعالى - هذه المسألة، فقال سبحانه:
فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق
[الحج: 19-22]. أما الفريق الآخر:
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
[الحج: 23-24]. فبين لنا الحق - سبحانه - كل فريق منهما، وبين مصيره وجزاءه. ونلحظ هنا ﴿ فإذا.. ﴾ [النمل: 45] يسمونها الفجائية، ويمثلون لها بقولهم: خرجت فإذا أسد بالباب، والمعنى: أنك فوجئت بشيء لم تكن تتوقعه، كذلك حدث من الكافرين من قوم ثمود حين قال لهم نبيهم ﴿ أن اعبدوا الله.. ﴾ [النمل: 45] لكن يفاجئوننا بأنهم فريقان: مؤمنون وكافرون. ومنطق العقل والحق والفطرة السليمة يقتضي أن يستقبلوا هذا الأمر بالطاعة والتسليم، ولا يختلفوا فيه هذا الاختلاف: فريق في الجنة وفريق في السعير