27.5
أي: العذاب السيء، وهذا في الآخرة، فبالإضافة إلى ما حدث لهم من تقتيل في بدر، وهزيمة كسرت شوكتهم فلم ينته الأمر عند هذا الحد، إنما هناك خسارة أخرى في الآخرة ﴿ وهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ [النمل: 5]. والأخسر مبالغة في الخسران، فلم يقل: خاسر إنما أخسر لأنه خسر النعيم لأنه لم يقدم صالحا في الدنيا، وليته ظل بلا نعيم وترك في حاله، إنما يأتيه العذاب الذي يسوؤه لذلك قال تعالى ﴿ هم الأخسرون ﴾ [النمل: 5] لأنهم لم يدخلوا الجنة، وهذه خسارة، ثم هم في النار، وهذه خسارة أخرى.
27.6
يعني: هذه المسائل والقضايا إنما تأتيك من الله الحكيم الذي يضع الشيء في نصابه وفي محله، فإن أثاب المحسن أو عاقب المسيء، فكل في محله، وهو سبحانه العليم بما يضع من الجزاءات على الحسنة وعلى السيئة. ويقص علينا الحق سبحانه قصة موسى عليه السلام: ﴿ إذ قال موسى لأهله... ﴾.
27.7
ما زلنا قريبي عهد بذكر طرف من قصة موسى - عليه السلام - في سورة الشعراء، وهنا يعود السياق إليه مرة أخرى، لماذا؟ لأن دعوة موسى - عليه السلام - أخذت حيزا كبيرا من القرآن الكريم، ذلك لأنهم أتعبوا أنبياءهم وعاندوهم حتى كثر الكلام عنهم. وعجيب أنهم يفخرون بكثرة أنبيائهم، وهم لا يعلمون أنها تحسب عليهم لا لهم، فالنبي لا يأتي إلا عند شقوة أصحابه، وبنوا إسرائيل كانوا من الضلال والعناد بحيث لا يكفيهم رسول واحد، بل يلزمهم كونسلتو من الأنبياء، فهم يعتبرونها مفخرة، وهي منقصة ومذمة. أما تكرار قصة بني إسرائيل وموسى - عليه السلام - كثيرا في القرآن، فلأن القرآن لا يروي حدوتة و، لا يذكر أحداثا للتأريخ لها، إنما يأتي من القصة بما يناسب موطن العبرة والتثبيت لفؤاد رسول الله:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..
[هود: 120]. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض في رحلة الدعوة لكثير من المصاعب والمشاق، ويحتاج لتسلية وتثبيت، فيأتي له ربه بلقطة معينة، ولكن لا يورد القصة كاملة، وهذا ليس عجزا - وحاشا لله - عن إيراد القصة كاملة مرة واحدة. وقد أورد سبحانه قصة يوسف - عليه السلام - كاملة من الألف إلى الياء في صورة قصة محبوكة على أتم ما يكون الفن القصصي، ومع ذلك لم يأت لسيدنا يوسف عليه السلام ذكر - في غير هذه القصة - إلا في موضعين: أحدهما: في سورة الأنعام:
ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف..
[الأنعام: 84]. والآخر في سورة غافر:
ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا..
[غافر: 34]. إذن: ورود القصة في لقطات مختلفة متفرقة ليس عجزا عن إيرادها مستوفاة كاملة في سياق واحد، ولو فعل ذلك لكان التثبيت مرة واحدة. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا.. ﴾ [النمل: 7]، وفي موضع آخر يقول:
قال لأهله امكثوا إني آنست نارا..
[القصص: 29] وفي هذه الآية إضافة جديدة ليست في الأولى. أما قوله تعالى:
فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا..
[القصص: 29] أي: آنس في ذاته، أما في الآيتين السابقتين فيخبر بأنه آنس نارا، إذن: كل آية في موقف، وليس في الأمر تكرار، كما يتوهم البعض. فموسى - عليه السلام - يسير بأهله في هذا الطريق الوعر ويحل عليه الظلام، ولا يكاد يرى الطريق فيقول لزوجته: ﴿ إني آنست نارا.. ﴾ [النمل: 7] يعني: سأذهب لأقتبس منها، ليهتدوا بها، أو ليستدفئوا بها.
وطبيعي أن تعارضه زوجته: كيف تتركني في هذا المكان الموحش وحدي، فيقول لها
امكثوا إني آنست نارا..
[القصص: 29] يعني: ابقى هنا مستريحة، وأنا الذي سأذهب، فلربما تعرضت لمخاطر فكوني أنت بعيدا عنها، إذن: هي مواقف جديدة استدعاها الحال، ليست تكرارا. كذلك نجد اختلافا طبيعيا في قوله: