تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27.39

والجن في القدرة والمهارة مثل الإنس، منهم القوى الماهر، ومنهم العيي الذي لا يجيد شيئا. نقول لبخة وكلمة عفريت من تعفير التراب، وكانوا حينما يتسابقون في العدو بالخيل أو غيرها، فمن يسبق منهم يثير الغبار في وجه الآخر فيعطله عن السبق. فقالوا: عفريت يعني عفر من وراءه. أو: المعنى أنه يعفر وجه من عارضه بالتراب فسمي عفريتا. إذن: فالعفريت هو الخبيث الماكر من الجن، وصاحب القوة الخارقة فيهم، وهو الذي تعرض لهذه المهمة، وقال ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. ﴾ [النمل: 39]. وهذا كلام مجمل لأن مقام سليمان بين رعيته للحكم أو للمدارسة سوف يستغرق وقتا: ساعة أو ساعتين مثلا، وقد تعهد العفريت أن يأتي بالعرش في هذا الوقت يعني: لن يؤخره إلى جلسة أخرى. وقوله: ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ [النمل: 39] يدل على أن هذا العفريت يعلم فخامة هذا العرش وضخامته، وأنه شيء نفيس يستحق الاعتناء به، خاصة في عملية نقله لذلك قال من ناحية كبره وضخامته " فأنا عليه قوي " قادر على حمله، ومن ناحية نفاسته وفخامته، فأنا عليه أمين لن أبدد منه شيئا. ثم تكلم آخر لم يحدده القرآن إلا بالوصف: ﴿ قال الذي عنده علم... ﴾.

27.40

الطرف: الجفن الأعلى للعين. تكلم العلماء في هذه الآية: أولا: قالوا ﴿ الكتاب.. ﴾ [النمل: 40] يراد به اللوح المحفوظ، يعلم الله تعالى بعض خلقه أسرارا من اللوح المحفوظ، أما الذي عنده علم من الكتاب فقالوا: هو آصف بن برخيا، وكان رجلا صالحا أطلعه الله على أسرار الكون. وقال آخرون: بل هو سليمان عليه السلام، لما قال له العفريت

أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك..

[النمل: 39] قال هو: ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. ﴾ [النمل: 40] لأنه لو كان شخصا آخر لكان له تفوق على سليمان في معرفة الكتاب. لكن ردوا عليهم بأن من عظمة سليمان أن يعلم أحد رعيته هذا العلم، فمن عنده علم من الكتاب بحيث يأتي بالعرش قبل طرفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومسخر له، كما أن المزايا لا تقتضي الأفضلية، وليس شرطا في الملك أن يعرف كل شيء، وإلا لقلنا للملك: تعال أصلح لنا دورة المياه. أما نحن فنميل إلى أنه سليمان عليه السلام. وفرق كبير في القدرات بين من يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك من مجلسه، وبين من يأتي به في طرفة عين، ونقل العرش من مملكة بلقيس إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى قوة. والزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا: فكلما زادت القوة قل الزمن، فمثلا حين تكلف الطفل الصغير بنقل شيء من مكانه إلى مكان ما، فإنه يذهب إليه ببطء ويحمله ببطء حتى يضعه في مكانه، أما الرجل فبيده وفي سرعة ينقله، وهذه المسألة نلاحظها في وسائل المواصلات، ففرق بين السفر بالسيارة، والسفر بالطائرة، والسفر بالصاروخ مثلا. وهذه تكلمنا عنها في قصة " الإسراء والمعراج " فقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السرعة لأن الله تعالى أسرى به، ونقله من مكان إلى مكان لذلك جاءت الرحلة في سرعة فوق تصور البشر. وما دام الزمن يتناسب مع القوة، فلا تنسب الحدث إلى رسول الله، إنما إلى الله، إلى قوة القوى التي لا تحتاج إلى زمن أصلا، فإن قلت: فلماذا استغرقت الرحلة ليلة وأخذت وقتا؟ نقول: لأنه صلى الله عليه وسلم مر بأشياء، ورأى أشياء، وقال، وسأل، وسمع، فهو الذي شغل هذا الوقت، أما الإسراء نفسه فلا زمن له. لذلك قبل أن يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - بهذه الحادثة العجيبة قال:

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] أي: نزهه عن مشابهة غيره، كذلك مسألة نقل العرش في طرفة عين لا بد أن من فعلها فعلها بعون من الله وبعلم أطلعه الله عليه، فنقله بكن التي لا تحتاج وقتا ولا قوة، وما دام الأمر بإرادة الله وقوته وإلهامه فلا نقول إلا: آمين.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٩٧