إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولى حفظه بنفسه - سبحانه وتعالى - ولم يوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثا لم توجد بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويسجلها ويعلنها، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة. فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألا تطاوعه لأنه مالكها، ألا ترى أن الإنسان يحفظ الكمبيالة التي له، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى. واقرأ إن شئت:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] فالله يسجلها على نفسه ويحفظها لأنه القادر على الإنفاذ، وفعلا هزم الجمع وولوا الأدبار وصدق الله.
27.76
فرق بين أن تخاطب خالي الذهن، وأن تخاطب من لديه فكرة مسبقة، فخالي الذهن يقبل منك، أما صاحب الفكرة المسبقة فيعارضك، كذلك جاء من الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به، ومع أنهم أعداء الإسلام وكارهون له لكن إن سألتهم عما أخبر به القرآن يقولون: نعم نعرف هذا من كتبنا
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
[البقرة: 89]. لذلك سيدنا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى رسول الله علم أنه الرسول الحق، فمالت نفسه إلى الإسلام وقال: والله إني لأعرف محمدا كمعرفتي بابني، ومعرفتي بمحمد أشد، وصدق الله حين قال عنهم:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم..
[البقرة: 146]. علم عبد الله أن الإسلام هو الطريق الذي يوصله إلى الله والذي ينبغي لكل عاقل أن يتبعه، فلما أراد أن يسلم أحب أن يكسب الجولة بإعلان إسلامه وفضيحة المنافقين والكفار وأهل الكتاب، فقال: يا رسول الله لقد استشرفت نفسي للإسلام، وأخاف إن أسلمت أن يذمني اليهود ويفعلوا بي كذا وكذا، فاسألهم عني قبل أن أسلم، فسألهم رسول الله فقالوا: هو حبرنا وابن حبرنا.. وكالوا له الثناء والمديح، عندها قال عبد الله: أما وقد قلتم ما قلتم، فاشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: بل هو شرنا وابن شرنا. وكالوا له عبارات السب والشتم. ثم يصف الحق سبحانه القرآن فيقول: ﴿ وإنه لهدى ورحمة... ﴾.