27.27
﴿ قال سننظر.. ﴾ [النمل: 27] والنظر محله العين، لكن هل يعرف الصدق والكذب بالعين؟ لا، فالكلمة انتقلت من النظر بالعين إلى العلم بالحجة، فهي بمعنى نعلم، ونقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: يحتاج إلى دراسة وتمحيص. وفي الآية مظهر من مظاهر أدب سليمان - عليه السلام - وتلطفه مع رعيته، فهو السيد المطاع، ومع ذلك يقول للهدهد: ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ [النمل: 27] والصدق يقابله الكذب، لكن سليمان - عليه السلام - يأبى عليه أدب النبوة أن يتهم أحد جنوده بالكذب فقال: ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ [النمل: 27]. يعني: حتى لو وقع منك الكذب فلست فذا فيه، فكثير من الخلق يكذبون، أو: من الكاذبين ميلا لهم وقربا منهم، مما يدل على أنه بإلهاماته كنبي يعرف أنه صادق، إنما ما دام الأمر محل نظر فلا بد أن نتأكد، ولن أجامل جنديا من جنودي.
27.28
هذا هو النظر الذي ارتآه سليمان ليتأكد من صدق الهدهد: أن يرسله بكتاب منه إلى هؤلاء القوم، وهنا مظهر من مظاهر الإيجاز البليغ في القرآن الكريم، فبعد أن قال سليمان
سننظر..
[النمل: 27] قال ﴿ اذهب بكتابي هذا.. ﴾ [النمل: 28]. فهل كان الكتاب معدا وجاهزا؟ لا، إنما التقدير: قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، فكتب إليها كتابا فيه كذا وكذا ثم قال للهدهد: ﴿ اذهب بكتابي هذا.. ﴾ [النمل: 28] وقد حذف هذا للعلم به من سياق القصة. وقوله: ﴿ ثم تول عنهم.. ﴾ [النمل: 28] يعني: ابتعد قليلا، وحاول أن تعرف ﴿ ماذا يرجعون ﴾ [النمل: 28] يعني: يراجع بعضهم بعضا، ويتناقشون فيما في الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى:
أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا
[طه: 89]. والسياق يقتضي أن نقول: فذهب الهدهد بالكتاب، وألقاه عند بلقيس فقرأته واستشارت فيه أتباعها وخاصتها، ثم قالت: ﴿ قالت يأيها الملأ... ﴾.