27.56
عجيب أمر هؤلاء، فعلة الإخراج عندهم وحيثيته ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ [النمل: 56] سبحان الله، ومتى كان الطهر ذنبا وجريمة تستوجب أن يخرج صاحبها من بلدة؟ إنها نغمة نسمعها دائما من أهل الباطل في كل زمان ومكان حينما يهاجمون أهل الحق، ويسعون لإبعادهم من الساحة لتخلو لباطلهم. ومن عدل الله تعالى أن يظهر في منطقهم دليل إدانتهم وخبث طباعهم، فكلمة ﴿ يتطهرون ﴾ [النمل: 56] التي نطقوا بها تعني: أنهم أنفسهم أنجاس تزعجهم الطهارة، وما أحل الله من الطيبات، وكأن الله تعالى يجعل في كلامهم منافذ لإدانتهم، وليحكموا بها على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأنجيناه وأهله إلا امرأته... ﴾.
27.57
أي: من المهلكين مع قومها، فقد كانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم ليفعلوا معهم الفاحشة، لذلك أصابها من العذاب مثلما أصاب قومها.
27.58
أي: قبح هذا المطر، وإن أبهم المطر هنا فقد وضحه الحق - تبارك وتعالى - في آيات أخرى فقال: من طين، ومن سجيل، وهو الطين إذا حرق، فصار فخارا، وهذه الحجارة منظمة مسومة صنعها الله لهم بحساب دقيق، فلكل واحد منهم حجره المسمى باسمه، والذي لا يخطئه إلى غيره.
27.59
نعرف أن الله تعالى يحمد على النعمة، لكن هناك ﴿ الحمد لله.. ﴾ [النمل: 59] جاءت بعد نقمة وعذاب وأخذ للمكذبين. قالوا: الخطاب هنا موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة إلى أن جند الله هم الغالبون، وأن العاقبة لهم ليطمئن رسول الله، كما أن تطهير الكون من المفسدين فيه، وحين تستريح منهم البلاد والعباد، هذه نعمة تستوجب ﴿ الحمد لله.. ﴾ [النمل: 59]. وفي إهلاك الكافرين والمكذبين عبرة ودرس لغيرهم، حتى لا يتورطوا في أسباب الهلاك، وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد. لذلك أمرنا ربنا - تبارك وتعالى - أن نحمده إن رأينا خيرا نزل بالأخيار، أو شرا حل بالأشرار. فالمعنى ﴿ قل الحمد لله.. ﴾ [النمل: 59] أن الرسل انتصروا وغلبوا، وأن المفسدين انهزموا واندحروا. ألا ترى قول أهل الجنة:
حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء..
[الزمر: 73-74]. كذلك حين نرى الشرير الذي شاع شره وكثر فساده حين ينزل به ما يستحق من عقاب الله نقول جميعا ساعة نسمع خبره: الحمد لله، هكذا بعملية لا شعورية عند الجميع أن تلهج ألسنتهم بالحمد عند نزول النعمة على أصحابها، والنقمة على من يستحقها. ويقول تعالى عن أهل الشر والفساد:
ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين
[الأنعام: 42-45]. فبعد أن قطع الله دابر الظالمين قال: الحمد لله رب العالمين، ونلحظ هنا الفرق بين فتح لك، وفتح عليك فتح لك يعني: فتح في صالحك، ومنه:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا
[الفتح: 1]. أما فتح عليهم يعني: بالسوء نكاية فيهم، فمعنى
فتحنا عليهم أبواب كل شيء..
[الأنعام: 44]. أعطاهم الخير ليهلكهم به، وهم في حال نعمة ومكانة، حتى إذا أخذهم الله كان أخذه أليما شديدا. وفي قصة نوح عليه السلام:
فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين
[المؤمنين: 28]. فحمد الله هنا على أمرين: الحمد لله لأنه أغرق الكافرين الظالمين وخلصنا منهم، والحمد لله لأنه نجى المؤمنين. ثم يقول سبحانه: ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى.. ﴾ [النمل: 59] وهم المؤمنون الذين نصرهم الله، وجعل العاقبة لهم، والسلام عليهم بعدها لاقوه من عنت الكفار وعنادهم، فالحمد لله الذي أهلك المفسدين، وأتى بالسلام على المهتدين.