تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهدى لمجلسه الكريم وإنما

أهدى له ما حزت من نعمائه

كالبحر يمطره السحاب وما له

فضل عليه لأنه من مائه

ولكي تعلم فضل الله علينا في إنزال المطر وتوفير الماء العذب، انظر إلى التكلفة والمشقة التي تعانيها لتقطير عدة سنتميترات من الماء، في حين أنك لا تدري بعملية التقطير الواسعة التي تسقي البلاد والعباد في كل أنحاء الدنيا. وقد مثلنا لمسألة اتساع رقعة البحر بكوب الماء إذا أرقته على الأرض، فإنه يجف في عدة دقائق، أما لو تركت الماء في الكوب لعدة أيام، فإنه لا ينقص منه إلا القليل. ومن الماء العذب ما سلكه الله تعالى ينابيع في الأرض ليخرجه الإنسان إذا أعوزه الماء على السطح، أو سلكه ينابيع في الأرض بمعنى أن يسير العذب بجوار المالح، لا يختلط أحدهما بالآخر مع ما عرف عن الماء من خاصية الاستطراق. وهذه من عجائب قدرة الله الخالق، فمن قعر البحر المالح تخرج عيون الماء العذب لأن لكل منهما طريقا ومسلكا وشعيرات يسير فيها بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر، كما قال تعالى:

مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان

[الرحمن: 19-20]. وكما أن الماء العذب يتسرب إلى باطن الأرض ليكون الآبار والعيون، فكذلك الماء المالح يتسرب في باطن الأرض ليكون من تفاعلاته الأحجار الكريمة، كالمرمر، والمعادن كالحديد والمنجنيز والجرانيت.. الخ. وبعد أن ذكر لنا هذه الآيات الخاصة بالأرض جاء بهذا الاستفهام

أإله مع الله..

[النمل: 60] يعني خلق هذه الأشياء ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [النمل: 61] والذين لا يعلمون أعلمناهم، وقطعنا حجتهم بعدم العلم. ولو نظرنا إلى الأرض لوجدنا فيها آيات أخرى غير أنها مستقر وسكن، فالأرض كثيفة، وفيها غبرة ليست صافية البياض ذلك لأن الله تعالى يريد لها أن تستقبل حرارة الشمس وضوءها ليستفيد منها النبات، ولو أن الأرض كانت شفافة تعكس الضوء والحرارة لما استفاد منها النبات لذلك نجد بعض المشروعات تنمو في الصيف، وأخرى في الشتاء. ولما أجروا بعض التجارب على النبات، فوضعوه في مكان مظلم، ثم جعلوا ثقبا في ناحية بحيث يدخل الضوء وجدوا أن النبتة بما أودع الخالق فيها من غريزة تتجه ناحية الضوء لتأخذ حظها من النور والدفء، فسبحان الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. ومن آيات الله في خلق الأرض أن جعلها على هيئة الحركة والدوران، لتأخذ كل مناطقها حظها من الحرارة ومن البرودة، ويتنوع فيها المناخ بين صيف وشتاء، وخريف وربيع، إنها أدوار تتطلبها مقومات الحياة. لذلك تجد علماء النبات يقسمون المناطق الزراعية على الأرض يقولون: هذا حزام القمح مثلا، وهذا حزام الموز، وهذا حزام البطاطس، فتجد كل حزام منها يصلح لنوع خاص من المزروعات يناسب سكان هذه المنطقة وبيئتها وجوها. لذلك نجد أن كل نوع من المزروعات في مكانه المناسب لا تصيبه الآفات، أما حين ينقل إلى مكان غير مكانه، وبيئة غير بيئته لا بد أن يصاب. وفي الأرض خاصية أخرى تتعلق بالإنسان تعلقا مباشرا، فمن خصائص الأرض وهي من الطين الذي خلق منه الإنسان، فهي في الحقيقة أمه الأولى - فإذا مات لا يسعه إلا أحضان أمه حين يتخلى عنه أقرب الناس إليه، وألصق الناس به، عندها تستقبله الأم وتحتويه وتستر عليه كل ما يسوؤه. ومن خصائص الأرض أنها تمتص فضلات الإنسان والحيوان ومخلفاته وتحولها بقدرة الله إلى مخصب تزدهر به المزروعات، ويزيد به المحصول، وفي الريف يحملون روث الحيوانات ذا الرائحة الكريهة إلى الحقول، فإذا به ينبت فيه الوردة الجميلة الذكية التي يتشوق الإنسان لرائحتها. إنها عجائب في الخلق، لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، أتذكرون المثل الذي يقول: فلان يعمل من الفسيخ شربات هكذا قدرة الله التي تخلق الأضداد. ألا ترون أن أفضل الفاكهة نأكلها الآن من الجبل الأصفر بمصر وهي تروى بماء المجاري. وبعد أن حدثنا الحق - تبارك وتعالى - عن هذه المظاهر العامة التي يحتاجها كل الخلق في السماء والأرض والجبال والمطر.. الخ يحدثنا سبحانه عن مسائل خاصة يحتاجها إنسان دون آخر، وفي وقت دون آخر، فيقول سبحانه: ﴿ أمن يجيب المضطر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢١٣