27.35
بعد أن ترك لها المستشارون الأمر والتدبير أخذت تعمل عقلها، وتستخدم فطنتها وخبرتها بحياة الملوك، فقالت: إن كان سليمان ملكا فسوف يطمع في خيرنا، وإن كان نبيا فلن يهتم بشيء منه، فقررت أن ترسل له هدية تناسب مكانته كملك ومكانتها هي أيضا، لتثبت له أنها على جانب كبير من الثراء والغنى. ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك، أو كما نقول تلوحه أو تلويه. ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ﴾ [النمل: 35] فإن كان ملكا قبلها، وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تساق إليه كل عام، وإن كان نبيا فلن يقبل منها شيئا، وهذا رأي جميل من بلقيس يدل على فطنتها وذكائها وحصافتها، حيث جنبت قومها ويلات الحرب والمواجهة.
27.36
أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية ﴿ قال أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم.. ﴾ [النمل: 36] فأي هدية هذه، وأنا أملك ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي؟ ﴿ بل.. ﴾ [النمل: 36] يعني: اضرب عن الكلام السابق ﴿ أنتم بهديتكم تفرحون ﴾ [النمل: 36]. أضاف الهدية إليهم، لا إليه هو، والإضافة تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد، أو: بمعنى من مثل: إردب قمح يعني: من قمح، أو: بمعنى في مثل: مكر الليل يعني: في الليل. فقوله ﴿ بهديتكم.. ﴾ [النمل: 36] إما أن يكون المراد: هدية لكم. أي: فأنتم تفرحون إن جاءتكم هدية من أحد، أو لأنني سأردها إليكم فتفرحوا بردها كمن يقول بركة يا جامع أو: هدية منكم. أي: أنكم تفرحون إن أهديتم لي هدية فقبلتها منكم. فهذه معان ثلاثة لقوله: ﴿ بل أنتم بهديتكم تفرحون ﴾ [النمل: 36].