تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27.23

وقوله ﴿ تملكهم.. ﴾ [النمل: 23] يعني: تحكمهم امرأة، ورأينا نساء كثيرات نابهات حكمن الدول في وجود الرجال. ثم يذكر من صفاتها ﴿ وأوتيت من كل شيء.. ﴾ [النمل: 23] وكأنها إشارة إلى ما سبق أن قاله سليمان عليه السلام

وأوتينا من كل شيء..

[النمل: 16] فهي كذلك أوتيت من كل شيء بالنسبة لأقرانها، وإلا فسليمان أوتي من الملك ومن النبوة ما لم تؤته ملكة سبأ. ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ [النمل: 23] العرش مكان جلوس الملك، وكان العرش عادة يتوافق مع عظمة الملك، فمثلا شيخ الغفر أو العمدة أو المحافظ.. إلخ لكل منهم كرسي يجلس عليه يناسب مكانته، إذن: العرش هو جلسة المتمكن الذي يتولى تدبير الأمور. ووصف العرش بأنه عظيم مع أن هذا الوصف لعرش الله تعالى، فكيف؟ قالوا: عظيم بالنسبة لأمثالها من الملوك، أما عرش الله فعظيم بالنسبة لكل الخلق عظمة مطلقة. هكذا حدث الهدهد سليمان فيما يخص ملكة سبأ من حيث الملك الذي تشبه فيه سليمان كملك، ثم يحدثه بعد ذلك عن مسألة تتعلق بالنبوة والإيمان بالله، وهذه المسألة التي غار عليها سليمان، وثار من أجلها: ﴿ وجدتها وقومها يسجدون... ﴾.

27.24

ذلك لأنه لما طاف حول قصر بلقيس وجد فيه كوة تدخل منها الشمس، كما نرى في معابد الفراعنة، ففي أحد هذه المعابد طاقات بعدد أيام السنة، بحيث تدخل الشمس في كل يوم من واحدة بعينها لا تدخل من الأخرى. وكذلك كان عند بلقيس مثل هذه الكوة تدخل منها الشمس فتتنبه لها وتستقبلها. لذلك لما ذهب إليها بكتاب سليمان وقف على هذه الكوة وسدها بجناحه، فلم تدخل الشمس في موعدها كما اعتادت الملكة، فقامت حتى وصلت إلى هذه الكوة فرمى عندها الكتاب. فالهدهد - إذن - مؤمن عارف بقضية العقيدة والإيمان بالله يغار عليها ويستنكر مخالفتها ﴿ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. ﴾ [النمل: 24] فهو يعرف أن الله هو المعبود بحق، بل ويعلم أيضا قضية الشيطان، وأنه سبب الانصراف عن عبادة الله. ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ﴾ [النمل: 24] فالقضية عنده كاملة بكل تفاصيلها، ولا تتعجب من مقالة الهدهد واقرأ:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

[الإسراء: 44]. إنها موعظة بليغة من واعظ متمكن يفهم عن الله، ويعلم منهجه ويدعو إليه، بل ويعز عليه ويحز في نفسه أن ينصرف العباد عن الله المنعم: ﴿ ألا يسجدوا لله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٩٠