27.70
وقد خاطب الحق سبحانه رسوله بقوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. والمعنى: مهلك نفسك من الحزن، والبخع كما قلنا: المبالغة في الذبح بحيث توصله إلى البخاع. والحق - تبارك وتعالى - يوضح أن مهمة الرسول البلاغ عن الله فقط، ولا عليه آمن من آمن، أو كفر من كفر، إنما حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وحرصه على نجاتها جعلاه يحزن ويألم إن شرد منه واحد من أمته، ألم يقل عنه ربه:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: ﴿ ويقولون متى هذا... ﴾.
27.71
يقول المكذبون بالبعث ﴿ متى هذا الوعد.. ﴾ [النمل: 71] أي: بالبعث ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ [النمل: 71] في أن هناك بعثا. وسموا إخبار الله لهم بالبعث وعدا، مع أنه في حقهم وعيد، وفرق بين وعد وأوعد: وعد للخير وأوعد للشر، لكن الله تعالى يطمس على ألسنتهم، وهم أهل الفصاحة فيقولون ﴿ متى هذا الوعد.. ﴾ [النمل: 71] وهو بالنسبة لهم وعيد، لأن إيعاد المخالف لك بشر وعد لك بخير. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: لقد وعدنا بأمرين: وعدنا رسلنا بالتأييد والنصرة، ووعدنا العالم كله بالبعث، فإذا كنا صادقين في الأولى وهي مشاهدة لكم ومحسة فخذوها مقدمة ودليلا على صدقنا في الأخرى، وقد عاينتم أن جميع الرسل انتصروا على مكذبيهم، إما بعذاب الاستئصال، وإما بعذاب الهزيمة والانكسار. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل عسى أن يكون... ﴾.