27.32
سبق أن تكلمنا في معنى الفتوى، وأنها من الفتوة أي: القوة، وهي مثل: غني فلان أي: صار غنيا بذاته، وأغناه غيره أمده بالغنى، كذلك أفتاه يعني: أعطاه قوة في الحكم والحجة. وقالت: ﴿ في أمري.. ﴾ [النمل: 32] مع أن الأمر خاص بالدولة كلها، لا بها وحدها لأنها رمز للدولة وللملك، وإن تعرض لها سليمان فسوف يخدش ملكها أولا، وينال من هيبتها قبل رعيتها. ﴿ ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ﴾ [النمل: 32] يعني: لا أبت في أمر إلا في حضوركم، وبعد استشارتكم. وهذا يدل على أنها كانت تأخذ بمبدأ الشورى رغم ما كان لها من الملك والسيطرة والهيمنة. فرد عليها الملأ من قومها: ﴿ قالوا نحن أولو قوة... ﴾.
27.33
يعني: نحن أصحاب قوة في أجسامنا، وأصحاب شجاعة وبأس أي جيوش فيها عدد وعدة ﴿ والأمر إليك.. ﴾ [النمل: 33] أي: إن رأيت الحرب، فنحن على أهبة الاستعداد، فهم يعرضون عليها رأيهم دون أن يلزموها به، فهو رأي سياسي لا رأي حربي، فهي صاحبة قرار الحرب إن أرادت ﴿ فانظري ماذا تأمرين ﴾ [النمل: 33] يعني: نحن على استعداد للسلم وللحرب، وننتظر أمرك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قالت إن الملوك... ﴾.
27.34
وتعرض بلقيس رأيها ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها.. ﴾ [النمل: 34]، ذلك لأنهم يريدون ملكا، فينهبون كل ما يمرون به بل ويخربون ويفسدون لماذا؟ لأنهم ساعة يصل الملك المغير لا يضمن النصر لذلك يخرب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور قد استقرت له يحافظ على الأشياء ولا يخربها. ﴿ وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة.. ﴾ [النمل: 34] لأن الملك يقوم على أنقاض ملك قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول من يبدأ بهم لأن الأمر أخذ من أيديهم، وسوف يسعون لاستعادته، ولا بد أن يكون عندهم غيظ ولدد في الخصومة. أما قوله تعالى: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ [النمل: 34] فللعلماء فيه كلام: قالوا إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها السابق، لكن ماذا يضيف ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ [النمل: 34] بعد أن قالت ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة.. ﴾ [النمل: 34]. فالرأي الصواب أن هذه العبارة من الحق - سبحانه وتعالى - ليصدق على كلامها، وأنها أصابت في رأيها، فكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية، مما يدل على أن الحق سبحانه رب الخلق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه.