تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27.49

﴿ قالوا.. ﴾ [النمل: 49] أي: الرهط ﴿ تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.. ﴾ [النمل: 49] انظر إلى هذه البجاحة وقلة العقل وتفاهة التفكير: إنهم يتعاهدون ويقسمون بالله أن يقتلوا رسول الله، وهذا دليل غبائهم، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يجعل لهم منافذ يظهر منها حمقهم وقلة عقولهم. ومعنى ﴿ لنبيتنه.. ﴾ [النمل: 49] نبيته: نجعله ينام بالليل، والبيتوتة أن ينقطع الإنسان عن الحركة حال نومه، ثم يعاود الحركة بالاستيقاظ في الصباح، لكن هؤلاء يريدون أن يبيتوه بيتوتة لا قيام منها. والمعنى: نقتله. فإذا ما جاء أولياء الدم يطالبوننا بدمه ﴿ لنقولن لوليه.. ﴾ [النمل: 49] أي: ولي الدم من عصبته ورحمه ﴿ ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ﴾ [النمل: 49] أي: ما شهدنا مقتل أهله، فمن باب أولى ما شهدنا مقتله، ولا نعرف عنه شيئا. هذا ما دبره القوم لنبي الله صالح - عليه السلام - يظنون أن الله يسلم رسوله، أو يمكنهم من قتله، فحاكوا هذه المؤامرة ولم يفتهم تجهيز الدفاع عن أنفسهم حين المساءلة، هذا مكرهم وتدبيرهم.

27.50

معنى ﴿ ومكروا مكرا.. ﴾ [النمل: 50] أي: ما دبروه لقتل نبي الله ورسوله إليهم ﴿ ومكرنا مكرا.. ﴾ [النمل: 50] وفرق بين مكر الله عز وجل

والله خير الماكرين

[آل عمران: 54] وبين مكر الكافرين

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله..

[فاطر: 43]. إذن: حين تمكر بخير، فلا يعد مكرا، إنما إبطال لمكر العدو، فلا يجوز لك أن تتركه يدبر لك ويمكر بك، وأنت لا تتحرك لذلك قال تعالى

والله خير الماكرين

[الأنفال: 30] لأنهم يمكرون بشر، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لنصرة رسولنا، ونجاته من تدبيركم. والمكر: مأخوذ من قولهم: شجرة ممكورة، وهذا في الشجر رفيع الساق المتسلق حين تلتف سيقانه وأغصانه، بعضها على بعض، فلا تستطيع أن تميزها من بعضها، فكل منها ممكور في الآخر مستتر فيه، وكذلك المكر أن تصنع شيئا تداريه عن الخصم. وقوله تعالى: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ [النمل: 50] أي: أنه مكر محبوك ومحكم، بحيث لا يدري به الممكور به، وإلا لا يكون مكرا. وحين نتأمل:

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله..

[فاطر: 43] و

والله خير الماكرين

[آل عمران: 54] نعلم أن المكر لا يمدح ولا يذم لذاته، إنما بالغاية من ورائه، كما في قوله تعالى عن الظن:

يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن..

[الحجرات: 12] فالظن منه الخير ومنه السيىء. ونسمع الآن تعبيرا جديدا يعبر عما يدور في المجتمع من انتشار المكر وسوء الظن، يقولون: الصراحة مكر القرن العشرين، فالذي يمكر بالناس يظن أنهم جميعا ماكرون فلا يصدق كلامهم، ويحتاط له حتى إن كان صدقا، فأصبح المكر وسوء الظن هو القاعدة، فإن صارحت الماكر لا يصدقك ويقول في نفسه: إنه يعمى علي أو يضللني.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢٠٥