تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق، وهذه لا وجود لها لأن الحق واحد في الوجود، فلا يمكن أن يحدث تصادم أبدا بين أهل الحق. والحق - تبارك وتعالى - في نصرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب، ويهلك أعداءهم، لكن الحق سبحانه يريد أن يأخذوا هم بأسباب النصر لذلك يعلمهم أصول هذه المسألة، فيقول سبحانه:

فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض..

[محمد: 4]. ومعنى

أثخنتموهم..

[محمد: 4] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة

فشدوا الوثاق..

[محمد: 4] لا تجهزوا عليهم، ولا تقتلوهم، إنما شدوا قيودهم واستأسروهم، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب، فليس الهدف القتل وإزهاق الأرواح ثم

فإما منا بعد وإما فدآء..

[محمد: 4] منا إن كان هناك تبادل للأسرى. فأنت تمن وهو يمن. والفداء أن يفدي نفسه. وكانت هذه المسألة حجة لنا حينما نتحدث عن الرق في الإسلام، ونرد على هؤلاء الذين يحلو لهم اتهام الإسلام، ويستخدمون في ذلك السفسطة والمراوغة اللغوية لإقناع الناس بأن الإسلام ساهم في نشر الرق والعبودية. ونقول: لقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر لم يشرعه الإسلام، ولم يوجده بداية، حيث كانت أسباب الرق كثيرة، وأسباب الاستعباد متعددة: فمن تحمل دينا وعجز عن سداده يستعبد لصاحب الدين، ومن عمل ذنبا وخاف من عقوبته أخذوه عبدا، ومن اختطفه الأشرار في الطريق جعلوه عبدا.. إلخ. فلما جاء الإسلام عمل على سد منابع الرق هذه، وجعل الرق مقصورا على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلص من الرق القائم، حيث لم يكن موجودا من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أن يعتق عبده، فأضاف الإسلام إلى هذا الباب أبوابا أخرى، فجعل العتق كفارة لبعض الذنوب، وكفارة لليمين، وكفارة للظهار، وحث على الصدقة في سبيل العتق، ومساعدة المكاتب الذي يريد العتق ويسعى إليه.. إلخ. فإذا لم تعتق عبدك، فلا أقل من أن تطعمه من طعامك، وتلبسه من ملبسك، ولا تحمله ما لا يطيق، وإن حملته فأعنه، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم

" إنما هم إخوانكم ".

ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرق في الحروب أنهم يقارنون بين الرق والحرية، لكن المقارنة هنا ليست كذلك، المقارنة هنا بين الرق والقتل لأنه لا يسترق إلا من قدر المسترق عليه وتمكن منه في المعركة، وكان باستطاعته قتله، لكن رحمة الله بعباده منعت قتله، وأباحت أخذه رقيقا، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حقن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحث على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية.

إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقل ضررا؟ لذلك قال تعالى:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله عليم حكيم

[التوبة: 14-15]. هذه نتائج ست للأمر

قاتلوهم..

[التوبة: 14] وجواب الأمر مجزوم بالسكون كما في يعذبهم ومجزوم بحذف حرف العلة كما في ويخزهم، والخزي لأنهم كانوا مغترين بقوتهم، ولديهم جبروت مفتعل، يظنون ألا يقدر عليهم أحد، وكذلك في: ينصركم، ويشف، ويذهب. ثم قطع السياق الحكم السابق، واستأنف كلاما جديدا، وإن كان معطوفا على ما قبله في اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني، وملحظ لرحمة الله تعالى حتى بالكفار، فقال تعالى:

ويتوب الله على من يشآء..

[التوبة: 15] هكذا بالرفع، لا بالجزم فقطع الفعل يتوب عما قبله لأن الله تعالى لم يشأ أن يشرك بينهم حتى في جواب الأمر. وحتى على اعتبار أنهم هزموا، وكسرت شوكتهم، وضاعت هيبتهم، لعلهم يفيقون لأنفسهم، ويعودون للحق، وهذه من رحمة بالكافرين في معاركهم مع الإيمان. لكن، لماذا يتوب الله على الكفار ويرحمهم وهم أعداء دينه وأعداء نبيه؟ قالوا: لأنه سبحانه وتعالى ربهم وخالقهم، وهم عباده وعياله، وهو أرحم بهم، ومرادات الله في الخلق أن يكونوا جميعا طائعين. لذلك، يقول سبحانه في الحديث القدسي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٨١