تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.25

انتقلت بنا الآيات إلى موضوع جديد: ﴿ إن الذين كفروا.. ﴾ [الحج: 25] بصيغة الماضي، لأن الكفر وقع منهم فعلا ﴿ ويصدون.. ﴾ [الحج: 25] بصيغة المضارع، والقياس أن نقول: كفروا وصدوا، لكن المسألة ليست قاعدة ولا هي عملية آلية لأن الصد عن سبيل الله ناشىء عن الكفر وما يزال صدهم مستمرا. ومعنى ﴿ عن سبيل الله.. ﴾ [الحج: 25] أي: عن الجهاد ﴿ والمسجد الحرام.. ﴾ [الحج: 25] لأنهم منعوا المسلمين من دخوله، وكان في قبضتهم وتحت سيطرتهم، وهذا ما حدث فعلا في الحديبية حينما اشتاق صحابة رسول الله إلى أداء العمرة والطواف بالبيت الذي طالت مدة حرمانهم منه، فلما ذهبوا منعهم كفار مكة، وصدوهم عن دخوله. ﴿ والمسجد الحرام.. ﴾ [الحج: 25] كلمة حرام يستفاد منها أنه محرم أن تفعل فيه خطأ، أو تهينه، أو تعتدي فيه. وكلمة الحرام وصف بها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر الحرام الذي قال الله فيه: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه.. ﴾ [الحج: 25]. وحرمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه لأنه رب رحيم بخلقه يريد أن يجعل لهم فرصة لستر كبريائهم، والحد من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تذكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كلا الفريقين يريد أن يفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حرمة لتكون ستارا لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة. وكل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف من قبضة القوي دون أن يجرح كبرياءه، وربما هز رأسه قائلا: لولا الشهر الحرام كنت فعلت بهم كذا وكذا. فهذه - إذن - رحمة من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويحقن دماءهم. وما أشبه كبرياء العرب في هذه المسألة بكبرياء زوجين تخاصما على مضض، ويريد كل منهم أن يأتي صاحبه، لكن يمنعه كبرياؤه أن يتنازل، فجلس الرجل في غرفته، وأغلق الباب على نفسه، فنظرت الزوجة، فإذا به يرفع يديه يدعو الله أن تصالحه زوجته، فذهبت وتزينت له، ثم دفعت الباب عليه وقالت - وكأن أحدا يجبرها على الدخول - مودياني فين يا أم هاشم وكذلك، جعل في المكان محرما لأن الزمن الحرام الذي حرم فيه قتال أربعة أشهر: ثلاثة سرد وواحد فرد، الفرد هو رجب، والسرد هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.

فحرم أيضا القتال في هذه الأماكن ليعصم دماء الخلق أن تراق بسبب تناحر القبائل بالغل والحقد والكبرياء والغرور. يقول تعالى في تحريم القتال في البيت الحرام:

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين

[البقرة: 191]. فلعلهم حين تأتي شهور التحريم، أو يأتي مكانه يستريحون من الحرب، فيدركون لذة السلام وأهمية الصلح، فيقضون على أسباب النزاع بينهم دون حرب، فسعار الحرب يجر حربا، ولذة السلام وراحة الأمن والشعور بهدوء الحياة يجر ميلا للتصالح وفض مثل هذه المنازعات بالطرق السلمية. والمتأمل في هذه الأماكن التي حرمها الله يجدها على مراتب، وكأنها دوائر مركزها بيت الله الحرام وهو الكعبة، ثم المسجد الحرام حولها، ثم البلد الحرام وهي مكة، ثم المشعر الحرام الذي يأخذ جزءا من الزمن فقط في أيام الحج. أما الكعبة فليست كما يظن البعض أنها هذا البناء الذي نراه، الكعبة هي المكان، أما هذا البناء فهو المكين، فلو نقضت هذا البناء القائم الآن فمكان البناء هو البيت، هذا مكانه إن نزلت في أعماق الأرض أو صعدت في طبقات السماء. إذن: فبيت الله الحرام هو هذه البقعة من الأرض حتى السماء، ألا ترى الناس يصلون في الأدوار العليا، وهم أعلى من هذا البناء بكثير؟ إنهم يواجهون جو الكعبة، لا يواجهون الكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن الكعبة ممتدة في الجو إلى ما شاء الله. ثم يلي البيت المسجد، وهو قطعة أرض حكرت على المسجدية، لكن هناك مسجد بالمكان حين تقيمه أنت، وتجعل له بناء مثل هذا البناء الذي نتحدث فيه الآن يسمى " مسجد " بالمكان، أو مسجد بالمكين حين يضيق علينا هذا المسجد فنخرج نصلي في الشارع فهو في هذه الحالة مسجد، قالوا: ولو امتد إلى صنعاء وتواصلت الصفوف فكله مسجد. نعود إلى

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٥٤