22.18
قوله تعالى: ﴿ ألم تر.. ﴾ [الحج: 18] يعني: ألم تعلم لأن السجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه. وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل. وكل جنس من هذه الأجناس يخدم ما هو أعلى منه، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل ما في كون الله مسخر لخدمة الإنسان، وفي الخبر: " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له ". فكان على الإنسان أن يفكر في هذه الميزة التي منحه ربه إياها، ويعلم أن كل شيء في الوجود مهما صغر فله مهمة يؤديها، ودور يقوم به. فأولى بك أيها الإنسان وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة، وأن يكون لك دور في الحياة فلست بأقل من هذه المخلوقات التي سخرها الله لك، وإلا صرت أقل منها وأدنى. إن كانت مهمة جميع المخلوقات أن تخدمك لأنك أعلى منها، فانظر إلى مهمتك لمن هو أعلى منك، فإذا جاءك رسول من أعلى منك لينبهك إلى هذه المهمة كان عليك أن تشكره لأنه نبهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به، وإلى من يجب عليك الاتصال به دائما لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبدا لأنه يوضح لك مسائل كثيرة هي محل للبحث العقلي. وكان على العقل البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه: ألك قدرة عليها؟ لقد خدمتك منذ صغرك قبل أن توجه إليها أمرا، وقبل أن توجد عندك القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء، كان عليك أن تتنبه إلى القوة الأعلى منك ومن هذه المخلوقات، القوة التي سخرت الكون كله لخدمتك، وهذا بحث طبيعي لا بد أن يكون. هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأب عليك، ولم تتخلف يوما عن خدمتك، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما: أقالت الشمس يوما: إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف، فلن أطلع عليهم اليوم؟! الأرض: هل ضنت في يوم على زارعها؟ الريح: هل توقفت عن الهبوب. وكلها مخلوقات أقوى منك، ولا قدرة لك عليها، ولا تستطيع تسخيرها، إنما هي في قبضة الله - عز وجل - ومسخرة لك بأمره سبحانه، ولأنها مسخرة فلا تتخلف أبدا عن أداء مهمتها. أما الإنسان فيأتي منه الفساد، ويأتي منه الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار.
البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجودا على حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى:
كل قد علم صلاته وتسبيحه..
[النور: 41]. فلكل مخلوق مهما صغر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدت اختلافا بين الناس باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره. فإذا كان السجود يختلف بهذه الصورة في الجنس الواحد حسب حاله وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟ وإذا كان هذا حال السجود في الإنسان، فهل ننتظر مثلا أن نرى سجود الشمس أو سجود القمر؟! ما دام الحق - سبحانه وتعالى - قال إنها تسجد، فلا بد أن نؤمن بسجودها، لكن على هيئة لا يعلمها إلا خالقها عز وجل. بالله، لو جلس مريض يصلي على مقعد أو على الفراش، أتعرف وهو أمامك أنه يسجد؟ إذن: كيف نطمع في معرفة كيفية سجود هذه المخلوقات؟ ومن معاني السجود: الخضوع والطاعة، فمن يستبعد أن يكون سجود هذه المخلوقات سجودا على الحقيقة، فليعتبر السجود هنا للخضوع والانقياد والطاعة، كما تقول على إنسان متكبر: جاء ساجدا يعني: خاضعا ذليلا، ومنه قوله تعالى: