تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.34

المنسك: هو العبادة، كما جاء في قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:

قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين..

[الأنعام: 162]. ومعنى ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكا.. ﴾ [الحج: 34] لأن الشعائر والمناسك والعبادات ليس من الضروري أن تتفق عند جميع الأمم، بل لكل أمة ما يناسبها، ويناسب ظرفها الزمني والبيئي. لذلك، فإن الرسل لا تأتي لتغير القواعد والأسس التي يقوم عليها الدين لأن هذه القواعد وهذه الأسس ثابتة في كل رسالات السماء، لا تتبدل ولا تتغير بتغير الرسل. يقول تعالى:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..

[الشورى: 13]. هذا في الأصول العقدية الثابتة، أما في الفرعيات فنرى ما يصلح المجتمع، وما يناسبه من طاعات وعبادات. ثم يبين الحق سبحانه الحكمة من هذه المناسك: ﴿ ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.. ﴾ [الحج: 34] أي: يذكروا الله في كل شيء، ويشكروه على كل نعمة ينالونها من بهيمة الأنعام. لذلك نذكر الله عند الذبح نقول: بسم الله، الله أكبر، لماذا؟ لأن الذبح إزهاق روح خلقها الله، وما كان لك أن تزهقها بإرادتك، فمعنى " بسم الله والله أكبر " هنا أنني لا أزهق روحها من عندي، بل لأن الله أمرني وأباحها لي، فالله أكبر في هذا الموقف من إرادتك، ومن عواطفك. ونرى البعض يأنف من مسألة الذبح هذه، يقول: كيف تذبحون هذا الحيوان أو هذه الدجاجة؟ يدعي الرحمة والشفقة على هذه الحيوانات، لكنه ليس أرحم بها من خالقها، وما ذبحناها إلا لأن الله أحلها، وما أكلناها إلا بسم الله، بدليل أن ما حرمه الله علينا لا نقرب منه أبدا. وهل أنا أكرم القطة عن الأرنب، فأذبح الأرنب وأترك القطة؟ وهل احترم الكلب عن الخروف؟ أبدا، المسألة مسألة تشريع وأمر ثبت عن الله، فعلي أن أعظمه وأطيعه. وقوله تعالى: ﴿ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.. ﴾ [الحج: 34] الرزق يعني: أنه تعالى أوجدها لك، وملكك إياها، وذللها لك فاستأنستها وسخرها لك فانتفعت بها، ولولا تسخيره ما انقادت لك بقوتك وقدرتك. ثم يقول سبحانه: ﴿ فإلهكم إله واحد.. ﴾ [الحج: 34] يعني: إن اختلفت الشرائع من أمة لأمة فإياك أن تظن أن هذا من إله، وهذا من إله آخر، إنما هو إله واحد يشرع لكل أمة ما يناسبها وما يصلحها لأن التشريعات السماوية تأتي علاجا لآفات اجتماعية. والأصل الأصيل هو إيمان بإله واحد فاعل قادر مختار، يبلغ عنه رسول بمعجزة تبين صدقه في التبليغ عن الله.

هذا أصل كل الديانات السماوية، كذلك قواعد الدين وأساسياته واحدة متفق عليها، فالسرقة والزنا وشهادة الزور.. إلخ كلها محرمة في كل الأديان. لكن، هناك أمور تناسب أمة، ولا تناسب أخرى، والمشرع للجميع إله واحد، الناس جميعا من لدن آدم وإلى أن تقوم الساعة عياله، وهم عنده سواء، لذلك يختار لكل ما يصلحه. ألا ترى رب الأسرة كيف ينظم حياة أولاده - ولله المثل الأعلى - فيقول: هذا يفعل كذا، وهذا يفعل كذا، وإذا جاء الطعام قال: هذا يأكل كذا وكذا لأنه مريض مثلا، لا يناسبه طعام الآخرين، ويأمر الأم أن تعد لهذا المريض ما يناسبه من الطعام. ذلك لأنه راع للجميع مسئول عن الجميع، وعليه أن يراعي مصلحة كل واحد منهم على حدة. إذن: اختلاف التشريعات في هذه المسائل الجزئية بين الأمم لا يعني تعدد الآلهة كلا وحاشا لله، بل هو إله واحد، يعطي عباده كلا على حسب حاجته، كي يتوازن المجتمع ويستقيم حاله. نذكر أنه كان عند طبيب الوحدة الصحية دورقان، في كل منهما مزيج معين، وكان يعطي كل المرضى مع اختلاف أمراضهم من هذين النوعين فقط لذلك كانت عديمة الجدوى، أما الآن فالطبيب الماهر لا بد أن يجري على مريضه الفحوص والتحاليل اللازمة ليقف على مرضه بالتحديد، ثم يصف العلاج المناسب لهذه الحالة بمقادير دقيقة تبرئ المرض ولا تضر المريض من ناحية أخرى.. كذلك الأمر في اختلاف الشرائع السماوية بين الأمم. وما دام أن إلهكم إله واحد، وما دمتم عنده سواء، وليس منكم من هو ابن الله، ولا بينه وبين الله قرابة. إذن: ﴿ فله أسلموا.. ﴾ [الحج: 34] يعني: أسلموا كل أموركم لله، فإن أمر فعظموا أمره، وخذوه على الرحب والسعة، فإن ترك مجالا لاختيارك فاصنع ما تشاء. ولا تنس أن الله تعالى أعطاك فرصة للترقي الإيماني، وللترقي الإحساني، وفتح لك مجال الإحسان إن أردت. ثم يقول سبحانه: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ [الحج: 34] المخبت: في المعنى العام: يعني الإنسان الخاشع الخاضع المتواضع لكل أوامر الله، والمعنى الدقيق للمخبت: هو الذي إذا ظلم لا ينتصر لنفسه، عملا بقول الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٧٠