تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.49

والإنذار نوع من الرحمة، لأنك تخبر بشر قبل أوانه، ليحذره المنذر، ويحاول أن ينجي نفسه منه، ويبتعد عن أسبابه، فحين أذكرك بالله، وأنه يأخذ أعداءه أخذ عزيز مقتدر، فعليك أن تربأ بنفسك عن هذه النهاية، وأن تنجو من دواعي الهلاك. ومعنى ﴿ مبين ﴾ [الحج: 49] محيط، لا يترك صغيرة ولا كبيرة.

22.50

وطالما آمنوا وعملوا الصالحات فقد انتفعوا بالنذراة، وأثمرت فيهم، فآمنوا بالله إلها فاعلا مختارا له صفات الكمال المطلق، ثم عملوا على مقتضى أوامره لذلك يكون لهم مغفرة إن كانت ألمت نفوسهم بشيء من المعاصي، ويكون لهم رزق كريم. والكريم هو البذال، كأن الرزق نفسه وصل إليهم بكرم وزيادة، كما أن الكريم هو الذي تظل يده مبسوطة دائما بالعطاء، على حد قول الشاعر:

وإني امرؤ لا تستقر دراهمي

على الكف إلا عابرات سبيل

فالرزق نفسه كريم لأنه ممدود لا ينقطع، كما لو أخذت كوب ماء من ماء جار، فإنه يحل محله غيره على الفور، وهكذا.

22.51

السعي: عمل يذهب إلى غاية، فإن كان قطع مسافة نقول: سرنا من كذا إلى كذا، وإن كان في قضية علمية فكرية، فيعني: أن الحدث يعمل من شيء بداية إلى شيء غاية. والسعي لا يحمد على إطلاقه، ولا يذم على إطلاقه، فإن كان في خير فهو محمود ممدوح، كالسعي الذي قال الله فيه:

فأولئك كان سعيهم مشكورا

[الإسراء: 19]، وإن كان في شر فهو قبيح مذموم، كالسعي الذي قال الله تعالى فيه:

ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل

[البقرة: 204-205]. أما السعاية فعادة تأخذ جانب الشر. وتعني: الوشاية والسعي بين الناس بالنميمة، تقول: فلان سعاء بين الخلق يعني: بالشر ينقله بين الناس بقصد الأذى، وهؤلاء إن علموا الخير أخفوه، وإن علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا. لذلك، نقول عما ينتج من هذه السعاية من الشر بين الناس: هذا آفة الآخذ، يعني: الذي سمع الشر ونقله وسعى به، وكان عليه أن يحبسه ويخفيه، حتى لا تنتشر هذه الرذيلة بين الخلق. وقد وشى واش بمهام بن عبد الله السلولي إلى زياد بن أبيه، وكان زياد جبارا فقال للواشي: أأجمع بينك وبينه؟ فلم يجد الواشي بدا من أن يقول: نعم، فكيف ينكر ما قال؟! ولعله قال في نفسه: لعل الله يقضي أمرا يخرجني من هذه الورطة قبل هذه المواجهة؟ ثم أرسل زياد إلى ابن همام فأتي به، وقد جعل زياد الواشي في مجلسه خلف ستار، وأدخل همام، فقال له: يا همام بلغني أنك هجوتني، فقال: كلا، أصلحك الله ما فعلت: ولا أنت لذلك بأهل، فكشف زياد الستار وقال: هذا الرجل أخبرني أنك هجوتني، فنظر ابن همام، فإذا هو صديق له يجالسه، فقال له:

أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا

فخنت وإما قلت قولا بلا علم

فأبت من الأمر الذي كان بيننا

بمنزلة بين الخيانة والإثم

يعني: أنت مذموم في كل الأحوال لأنك إما خنت أمانة المجلس والحديث ولم تحفظ سرا فضفضت لك به، وإما اختلقت هذا القول كذبا وبلا علم. وعندها خلع زياد على همام الخلع، لكنه لم يعاقب الواشي، وفي هذا إشارة إلى ارتياحهم لمن ينقل إليهم، وأن آذانهم قد أخذت على ذلك وتعودت عليه. ومعنى ﴿ في آياتنا ﴾ [الحج: 51] والآيات إما كونية، كالشمس والقمر، وإما معجزات، وإما آيات الأحكام، وسعوا فيها يعني: قالوا فيها قولا باطلا غير الحق، كما يسعى الواشي بالباطل بين الناس، فهؤلاء إن نظروا في آيات الكون قالوا: من صنع الطبيعة.

وإن شاهدوا معجزة على يد نبي قالوا: سحر وأساطير الأولين، وإن سمعوا آيات الأحكام تتلى قالوا: شعر. وهم بذلك كله يريدون أن يفسدوا على أهل الإيمان إيمانهم، ويصدوا عن سبيل الله. ومعنى ﴿ معاجزين ﴾ [الحج: 51] جمع لاسم الفاعل معاجز مثل: مقاتل، وهي من عاجز غير عجز عن كذا يعني: لم يقدر عليه، عاجز فلان فلانا يعني باراه أيهما يعجز قبل الآخر، فعاجزه مثل باراه ليثبت أنه الأفضل، ومثل: سابقه ونافسه. إذن: فالمعاجزة مفاعلة ومشاركة، وكلمة نافسه الأصل فيها من النفس الذي نأخذه في الشهيق، ونخرجه في الزفير، والذي به يتأكسد الدم، وتستمر حركة الإنسان، فإن امتنع التنفس يموت لأن الإنسان يصبر على الطعام ويصبر على الماء، لكنه لا يصبر على الهواء ولو لنفس واحد. وقد حدثت هذه المعاجزة أو المنافسة بين سيدنا عمر وسيدنا العباس رضي الله عنهما: قال عمر للعباس: أتنافسني في الماء، يعني: نغطس تحت الماء وننظر أيهما يعجز الآخر، ويتحمل عملية توقف النفس، ومثل هذه المنافسة قد يحتال عليها الإنسان إن كتم نفسه وهو في جو الهواء، أما إن نزل تحت الماء حيث ينعدم الهواء، فكيف سيحتال على هذه المسألة؟ وتحت الماء لا يكون إلا الهواء الذاتي الذي اختزنه كل منهما في رئته، ومثل هذه المنافسة توضح أيهما أفسح صدرا من الآخر، وأيهما أكثر تحملا تحت الماء. هذه هي المعاجزة. فمعنى ﴿ سعوا في آياتنا معاجزين.. ﴾ [الحج: 51] أي: يظنون أنهم قادرون أن يعجزونا، فحين نأتي إليهم بكلام بليغ معجز يختلقون كلاما فارغا ليعجزونا به، فأنى يكون لهم ذلك؟ وأنى لهم أن يطعنوا بكلامهم على كلام الله؟ ثم يبين جزاء هذا الفعل وهذه المكابرة: ﴿ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ [الحج: 51] فهذا حكم الله فيهم قضية واضحة من أقصر الطرق، فمن ذا الذي يعجز الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٩١