22.15
يظن تفيد علما غير يقيني وغير متأكد، وسبق أن تكلمنا في نسبة القضايا، فهناك حكم محكوم به ومحكوم عليه، تقول: زيد مجتهد، فأنت تعتقد في نسبة الاجتهاد لزيد، فإن كان اعتقادك صحيحا فتستطيع أن تقدم الدليل على صحته فتقول: بدليل أنه ينجح كل عام بتفوق. أما إذا اعتقد هذه القضية ولم يقدم عليها دليلا كأن سمع الناس يقولون: زيد مجتهد. فقال مثلهم، لكن لا دليل عنده على صدق هذه المقولة، كالطفل الذي نلقنه
قل هو الله أحد
[الإخلاص: 1] هذه قضية واقعية يعتقدها الولد، لكن لا يستطيع أن يقدم الدليل عليها إلا عندما يكبر ويستوي تفكيره. فمن أين أخذ الطفل هذه القضية واعتقدها؟ أخذها من المأمون عليه: من أبيه أو من أستاذه ثم قلده. إذن: إن كانت القضية واقعة، لكن لا تستطيع أن تقيم الدليل عليها فهي تقليد، فإن اعتقدت قضية واقعة، وأقمت الدليل عليها، فهذا أسمى مراتب العلم، فإن اعتقدت قضية غير واقعية، فهذا جهل. فالجاهل: من يعتقد شيئا غير واقع، وهذا الذي يتعب الدنيا كلها، ويشقي من حوله، لأن الجاهل الأمي الذي لا يعلم شيئا، وليست لديه فكرة يعتقدها صفحة بيضاء، تستطيع أن تقنعه بالحقيقة ويقبلها منك لأنه خالي الذهن ولا يعارضك. أما الجاهل صاحب الفكرة الخاطئة فيحتاج منك أولا أن تقنعه بخطأ فكرته حتى يتنازل عنها، ثم تلقي إليه بالفكرة الصواب. فإن تشككت في النسبة بحيث استوت عندك نسبة الخطأ مع نسبة الصواب، فهذا هو الشك، فلا تستطيع أن تجزم باجتهاد زيد، ولا بعدم اجتهاده، فإن غلب الاجتهاد فهو ظن، فإن غلب عدم الاجتهاد فهو وهم. إذن: نسبة القضايا إما علم تعتقده: وهو واقع وتستطيع أن تقيم الدليل عليه، أو تقليد: وهو ما تعتقده وهو واقع، لكن لا تقدر على إقامة الدليل عليه، أو جهل: حين تعتقد شيئا غير واقع، أو شك: حين لا تجزم بالشيء ويستوي عندك النفي والإثبات، أو ظن: حين ترجح الإثبات، أو وهم: حين ترجح النفي. فالظن في قوله تعالى: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله.. ﴾ [الحج: 15] أي: يمر بخاطره مجرد مرور أن الله لن ينصر محمدا، أو يتوهم ذلك - ولا يتوهم ذلك إلا الكفار - لأنهم يأملون ذلك في معركة الإيمان والكفر - من ظن هذا الظن فعليه أن ينتهي عنه لأنه أمر بعيد، لن يحدث ولن يكون. وقد ظن الكفار هذا الظن حين رأوا بوادر نصر الإيمان وعلامات فوزه، فاغتاظوا لذلك، ولم يجدوا شيئا يريح خاطرهم إلا هذا الظن. لذلك يرد الله غيظهم عليهم، فيقول لهم: ستظلون بغيظكم لأن النصر للإيمان ولجنوده مستمر، فليس أمامك إلا أن تجعل حبلا في السماء وتربط عنقك به، تشنق نفسك حتى تقع، فإن كان هذا الكيد لنفسك ينجيك من الغيظ فافعل: ﴿ فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ﴾ [الحج: 15].
لكن ما الغيظ؟ الغيظ: نوع من الغضب مصحوب ومشوب بحزن وأسى وحسرة حينما ترى واقعا يحدث أمام عينيك ولا يرضيك، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تفعل شيئا تمنع به ما لا يرضيك. وهذه المادة غيظ موجودة في مواضع أخرى من كتاب الله، وقد استعملت حتى للجمادات التي لا تحس، اقرأ قول الله تعالى عن النار:
تكاد تميز من الغيظ..
[الملك: 8] وقال:
إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا
[الفرقان: 12] فكأن النار مغتاظة من هؤلاء، تتأهب لهم وتنتظرهم. والغيظ يقع للمؤمن والكافر، فحين نرى عناد الكفار وسخريتهم واستهزاءهم بالإيمان نغتاظ، لكن يذهب الله غيظ قلوبنا، كما قال سبحانه:
ويذهب غيظ قلوبهم..
[التوبة: 15]. أما غيظ الكفار من نصر الإيمان فسوف يبقى في قلوبهم، فربنا - سبحانه وتعالى - يقول لهم: ثقوا تماما أن الله لم يرسل رسولا إلا وهو ضامن أن ينصره، فإن خطر ببالكم خلاف ذلك فلن يريحكم ويشفي غيظكم إلا أن تشنقوا أنفسكم لذلك خاطبهم الحق سبحانه في آية أخرى فقال: