تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.77

النداء في ضرب المثل السابق كان للناس كافة لأنه يريد أن يلفت عباد الأصنام إلى هذا المثل، ويسمعهم إياه، أما هنا فالكلام عن منهج ودستور موجه، خاصة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يكلف بالحكم إلا من آمن به، أما من كفر فليس أهلا لحمل هذه الأمانة لذلك تركه ولم ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد من استعان به ووثق فيه، فيدله ويرشده، أما من شك في كلامه وقلل من شأنه يتركه يضل في مفترق الطرق. فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة منفكة، كما في قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا آمنوا..

[النساء: 136]. وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم يقول: آمنوا، كيف وهم يؤمنون بالفعل؟ قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا قبل سماع الحكم الجديد ظلوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمروا على إيمانكم لذلك إذا طلبت شيئا ممن هو موصوف به فاعلم أن المراد الدوام عليه. كما أن هناك فرقا بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشك فيه ولا تعترض عليه، لكنك لا تنفذه وتعصاه، فمثلا في الحج يقول تعالى:

ولله على الناس حج البيت..

[آل عمران: 97] الذي لله تعالى على عباده أن يحجوا البيت

من استطاع إليه سبيلا

[آل عمران: 97] وهذا شرط ضروري، فلا تكليف بلا استطاعة، ثم يقول:

ومن كفر

[آل عمران: 97]. فهل يعني هذا أن من لم يحج فهو كافر؟ قالوا: لا، لأن المراد: لله على الناس حكم يعتقده المؤمن، بأن لله على الناس حج البيت، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فهو مؤمن، أما كونه ينفذه أو لا ينفذه هذه مسألة أخرى. ثم يبدأ أول ما يبدأ في التكليف بمسألة الصلاة: ﴿ اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم.. ﴾ [الحج: 77] لقد جاء الرسل من عند الله بتكاليف كثيرة، لكن خص هنا الصلاة لأنها التكليف الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، أما بقية التكاليف فهي موسمية: فالصوم شهر في العام كله، والحج مرة في العمر كله لمن استطاع، والزكاة عند خروج المحصول لمن يملك النصاب أو عند حلول الحول. إذن: تختلف فريضة الصلاة عن باقي الفرائض لذلك خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:

" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ".

ويقول:

" الصلاة عماد الدين ".

وخصها الحق - تبارك وتعالى - بظرف تشريعي خاص، حيث فرضت الصلاة بالمباشرة، وفرضت باقي الفرائض بالوحي. وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - قلنا: إن رئيس العمل يمكن أن يرسل لك ورقة يقول: افعل كذا وكذا، فإن كان أمرا هاما اتصل بك تليفونيا، وأخبرك بما يريد لأهميته، فإن كان الأمر أهم من ذلك وجاء من جهة أعلى يقول لك: تعال عندي لأمر هام، ويكلفك به مباشرة، وكذلك على حسب الأهمية يوجد ظرف التشريع.

فالصلاة لم تأت بالوحي كباقي الفرائض، إنما جاءت مباشرة من الموحي سبحانه وتعالى لأنها ستكون صلة بين العبد وربه، فشاء أن ينزهها حتى من هذه الواسطة، ثم ميزها على غيرها من التكاليف، فجعلها الفريضة التي لا تسقط عن المسلم بحال أبدا. فقد تكون فقيرا فلا تلزمك الزكاة، وغير مستطيع فلا يلزمك حج، ومريض أو مسافر فلا يلزمك صوم. أما الصلاة فلا يسقطها عنك شيء من هذا كله، فإن كنت غير قادر على القيام فلك أن تصلي قاعدا أو مضطجعا أو راقدا، تشير بطرفك لركوعك وسجودك، ولو حتى تجري أفعال الصلاة على قلبك، المهم أن تظل ذاكرا لربك متصلا به، لا يمر عليك وقت إلا وهو سبحانه في بالك. وقلنا: إن ذكر الله في الأذان والإقامة والصلاة ذكر دائم في كل الوقت لا ينقطع أبدا، فحين تصلي أنت الصبح مثلا غيرك يصلي الظهر، وحين تركع غيرك يسجد، وحين تقول: بسم الله الرحمن الرحيم. غيرك يقول: الحمد لله رب العالمين.. الخ. فهي عبادة متداخلة دائمة لا تنقطع أبدا لذلك يقول أحد أهل المعرفة مخاطبا الزمن: يا زمن فيك كل الزمن. يعني: في كل جزئية من الزمن الزمن كله، كأنه قال: يا ظهر، وفيك العصر، وفيك المغرب، وفيك العشاء، وهكذا العالم كله يدور بعبادة لله لا تنتهي. وذكر من الصلاة الركوع والسجود لأنهما أظهر أعمال الصلاة، لكن الركوع والسجود حركات يؤديها المؤمن المخلص، ويؤديها المنافق، وقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى لذلك أراد الحق سبحانه أن يميز هذا من هذا، فقال: ﴿ واعبدوا ربكم.. ﴾ [الحج: 77]. فليست العبرة في حركات الركوع والسجود، إنما العبرة في التوجه بها إلى الله، وإخلاص النية فيها لله، وإلا أصبحت الصلاة مجرد حركات لا تعدو أن تكون تمارين رياضية كما يحلو للبعض أن يقول: الصلاة فيها تمارين رياضية تحرك كل أجزاء الجسم، نعم هي كما تقولون رياضة، لكنها ليست عبادة، العبادة أن تؤديها لأن الله تعالى أمرك بها. ثم يقول تعالى: ﴿ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ﴾ [الحج: 77]. والخير كلمة عامة تشمل كل أوامر التكليف، لكن جاءت مع الصلاة على سبيل الإجمال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالخير - إذن - كلمة جامعة لكل ما تؤديه وظائف المناهج من خير المجتمع لأن المنهج ما جاء إلا لينظم حركة الحياة تنظيما يتعاون ويتساند لا يتعاند، فإن جاء الأمر على هذه الصورة سعد المجتمع بأسره.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٢٣