22.3
الجدل: هو المحاورة بين اثنين، يريد كل منهما أن يؤيد رأيه ويدحض رأي الآخر، ومنه: جدل الخوص أو الحبل أي: فتله واحدة على الأخرى. ولو تأملت عملية غزل الصوف أو القطن لوجدته عبارة عن شعيرات قصيرة لا تتجاوز عدة سنتيمترات، ومع ذلك يصنعون منه حبلا طويلا، لأنهم يداخلون هذه الشعيرات بعضها في بعض، بحيث يكون طرف الشعرة في منتصف الأخرى، وهكذا يتم فتله وغزله، فإذا أردت تقوية هذه الفتلة تجدلها مع فتلة أخرى، وهكذا يكون الجدل في الأفكار، فكل صاحب فكرة يحاول ان يقوي رأيه وحجته ليدحض حجة الآخرين. فقوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله.. ﴾ [الحج: 3] فكيف يكون الجدل في الله تعالى؟ يكون الجدل في الله وجودا، كالملحد الذي لا يعترف بوجود إله، أو يكون الجدل في الوحدانية، كمن يشرك بالله إلها آخر، أو يكون الجدل في إعلام الله بشيء غيبي، كأمر الساعة الذي ينكره البعض ولا يصدقون به، هذا كله جدل في الله. وقوله: ﴿ بغير علم.. ﴾ [الحج: 3] إذن: فالجدل في ذاته مباح مشروع، شريطة أن يصدر عن علم وفقه، كما جاء في قوله تعالى:
وجادلهم بالتي هي أحسن..
[النحل: 125]. فالحق سبحانه لا يمنع الجدل، لكن يريده بالطريقة الحسنة والأسلوب اللين، وكما يقولون: النصح ثقيل، فلا تجعله جدلا، ولا ترسله جبلا، ولا تخرج الإنسان مما يألف بما يكره، واقرأ قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..
[النحل: 125]. وقال سبحانه:
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..
[العنكبوت: 46]. لذلك فالقرآن الكريم يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لونا من الجدل في قوله تعالى:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الجدل الراقي والأسلوب العالي: ففي خطابهم يقول:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا..
[سبأ: 25] وينسب الإجرام إلى نفسه، وحين يتكلم عن نفسه يقول:
ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25] ولم يقل هنا: تجرمون لتكون مقابلة بين الحالين. وفي هذا الأسلوب ما فيه من جذب القلوب وتحنينها لتقبل الحق. ولما اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون رد عليهم القرآن بالعقل وبالمنطق، فسألهم: ما الجنون؟ الجنون أن تصدر الأفعال الحركية عن غير بدائل اختيارية من المخ، فهل جربتم على محمد شيئا من هذا؟ وما هو الخلق؟ الخلق: استقامة المنهج والسلوك على طريق الكمال والخير، فهل رأيتم على محمد خلاف هذا؟ لذلك يقول تعالى في الرد عليهم:
قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..
[سبأ: 46]. وكيف يكون صاحب هذا الخلق القويم والسلوك المنضبط في الخير مجنونا؟ ولما قالوا: كذاب، جادلهم القرآن:
فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون
[يونس: 16]. لقد أتته الرسالة بعد الأربعين، فهل سمعتم عنه خطيبا أو شاعرا؟ فهل قال خطبة أو قصيدة تحتفظون بها كما تحتفظون بقصائد شعرائكم؟ وقالوا: إنها عبقرية كانت عند محمد، فأي عبقرية هذه التي تتفجر بعد الأربعين، ولو تأملت العبقريات لوجدتها في العقد الثاني أو الثالث من عمر صاحبها، فكيف يؤجل محمد عبقريته إلى الأربعين، ومن يضمن له الحياة وهو يرى الناس يتساقطون من حوله: أبوه مات قبل أن يولد، وأمه ماتت وهو رضيع، وجده مات وهو ما يزال صغيرا. وهكذا، يعطينا القرآن مثالا للجدل بالحكمة والموعظة الحسنة، للجدل الصادر عن علم بما تقول، وإدراك لحقائق الأمور. لذلك لما ذهب الشعبي لملك الروم قال له الملك: عندكم في الإسلام أمور لا يصدقها العقل، فقال الشعبي: ما الذي في الإسلام يخالف العقل؟ قال: تقولون إن في الجنة طعاما لا ينفد أبدا، ونحن نعلم أن كل ما أخذ منه مرة بعد مرة لا بد أن ينفد. انظر إلى الجدل في هذه المسألة كيف يكون. قال الشعبي: أرأيت لو أن عندك مصباحا، وجاءت الدنيا كلها فقبست من ضوئه، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ هذا - إذن - جدل راق وعلى أعلى مستوى. ويستمر ملك الروم فيقول: كيف نأكل في الجنة كل ما نشتهي دون أن نتغوط أو تكون لنا فضلات؟ نقول: أرأيتم الجنين في بطن الأم: أينمو أم لا؟ إنه ينمو يوما بعد يوم، وهذا دليل على أنه يتغذى، فهل له فضلات؟ لو كان للجنين فضلات ولو تغوط في مشيمته لمات، إذن: يتغذى الجنين غذاء على قدر حاجة نموه، بحيث لا يتبقى من غذائه شيء. ثم قال: أين تذهب الأرواح بعد أن تفارق الأجساد؟ أجاب الرجل إجمالا: تذهب حيث كانت قبل أن تحل فيك، وأمامك المصباح وفيه ضوء، ثم نفخ المصباح فانطفأ، فقال له: أين ذهب الضوء؟ ومن الجدل الذي جاء عن علم ودراية ما حدث من الإمام علي رضي الله عنه، حيث قتل أصحاب معاوية عمار بن ياسر، فغضب الصحابة في صفوف معاوية وتذكروا