22.26
ما دام الكلام السابق كان حول البيت الحرام، فمن المناسب أن يتكلم عن تاريخه وبنائه، فقال سبحانه: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود ﴾ [الحج: 26] معنى بوأه: أي: جعله مباءة يعني: يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إليه ويعود، كالبيت للإنسان يرجع إليه، ومنه قوله تعالى:
وبآءو بغضب من الله..
[البقرة: 61]. وإذ: ظرف زمان لحدث يأتي بعده الإخبار بهذا الحدث، والمعنى خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر يا محمد الوقت الذي قيل فيه لإبراهيم كذا وكذا. وهكذا في كل آيات القرآن تأتي إذ في خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحدث وقع في ذلك الظرف. لكن، ما علاقة المباءة أو المكان المتبوأ بمسألة البيت؟ قالوا: لأن المكان المتبوأ بقعة من الأرض يختارها الإنسان ليرجع إليها من متاعب حياته، ولا يختار الإنسان مثل هذا المكان إلا توفرت فيه كل مقومات الحياة. لذلك يقول تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشآء..
[يوسف: 56]. وقال في شأن بني إسرائيل:
ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق..
[يونس: 93] فمعنى: ﴿ بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. ﴾ [الحج: 26] أي: جعلناه مباءة له، يرجع إليه من حركة حياته بعد أن أعلمناه، ودللناه على مكانه. وقلنا: إن المكان غير المكين، المكان هو البقعة التي يقع فيها ويحل بها المكين، فأرض هذا المسجد مكان، والبناء القائم على هذه الأرض يسمى " مكين في هذا المكان ". وعلى هذا فقد دل الله إبراهيم عليه السلام على المكان الذي سيأمره بإقامة البيت عليه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة: فبعضهم يذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت. ونقول لأصحاب هذا الرأي: الحق - تبارك وتعالى - بوأ لإبراهيم مكان البيت، يعني: بينه له كأن البيت كان موجودا، بدليل أن الله تعالى يقول في القصة على لسان إبراهيم:
إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم..
[إبراهيم: 37]. وفي قوله تعالى:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل..
[البقرة: 127]. ومعلوم أن إسماعيل قد شارك أباه وساعده في البناء لما شب، وأصبح لديه القدرة على معاونة أبيه، أما مسألة السكن فكانت وإسماعيل ما يزال رضيعا، وقوله تعالى:
عند بيتك المحرم..
[إبراهيم: 37] يدل على أن العندية موجودة قبل أن يبلغ إسماعيل أن يساعد أباه في بناية البيت، إذن: هذا دليل على أن البيت كان موجودا قبل إبراهيم. وقد أوضح الحق - سبحانه وتعالى - هذه المسألة في قوله تعالى:
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
[آل عمران: 96]. وحتى نتفق على فهم الآية نسأل: من هم الناس؟ الناس هم آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، إذن: فآدم من الناس، فلماذا لا يشمله عموم الآية، فالبيت وضع للناس، وآدم من الناس، فلا بد أن يكون وضع لآدم أيضا. إذن: يمكنك القول بأن البيت وضع حتى قبل آدم لذلك نصدق بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعت البيت أولا، ثم طمس الطوفان معالم البيت، فدل الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت، وأمره أن يرفعه من جديد في هذا الوادي. ويقال: إن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم سحابة دلته على المكان، ونطقت: يا إبراهيم خذ على قدري، أي: البناء. ولو تدبرت معنى:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت..
[البقرة: 127] الرفع يعني: الارتفاع، وهو البعد الثالث، فكأن القواعد كان لها طول وعرض موجود فعلا، وعلى إبراهيم أن يرفعها. لكن لماذا بوأ الله لإبراهيم مكان البيت؟ لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال:
ربنا ليقيموا الصلاة..
[إبراهيم: 37] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة، الصلاة للإله الحق والرب الصدق لذلك أمره أولا: ﴿ أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود ﴾ [الحج: 26] والمراد: طهر هذا المكان من كل ما يشعر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله. وهل كان يعقل أن يدخل إبراهيم - عليه السلام - في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعد إبراهيم عن الشرك، لكن حين يرسل الله رسولا، فإنه أول من يتلقى عن الله الأوامر ليبلغ أمته، فهو أول من يتلقى، وأول من ينفذ ليكون قدوة لقومه فيصدقوه ويثقوا به لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنجوة عنه. ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: