" قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ".
فالكون كله ناقم على الكافرين، متمرد على العصاة، مغتاظ منهم، فماذا قال الحق - تبارك وتعالى - لهم؟ قال سبحانه:
" دعوني وخلقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن تابوا إلي، فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".
نعود إلى قوله تعالى: ﴿ ولينصرن الله من ينصره.. ﴾ [الحج: 40] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أن تبحثوا في القوة أو تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم، فلربك عز وجل جنود لا يعلمها إلا هو، ووسائل النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهون الأسباب، أقلها أن الله يريكم أعداءكم قليلا ويكثر المؤمنين في أعين الكافرين ليفت ذلك في عضدهم ويرهبهم ويزعزع معنوياتهم، وقد يحدث العكس، فيرى الكفار المؤمنين قليلا فيجترئون عليهم، ويتقدمون، ثم تفاجئهم الحقيقة.
إذن:
وما يعلم جنود ربك إلا هو..
[المدثر: 31] فلا تعول فقط على قوتك وتحسب مدى تكافئك مع عدوك، دعك من هذه الحسابات، وما عليك إلا أن تستنفد وسائلك وأسبابك، ثم تدع المجال لأسباب السماء. وأقل جنود ربك أن يلقي الرعب في قلوب أعدائك، وهذه وحدها كافية، ويروى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين، وأحسوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال، فأخرجوا السواك ينظفون أسنانهم، ويطيبون أفواههم، عندها قال الكفار: إنهم يسنون أسنانهم ليأكلونا، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون. ثم يقول تعالى: ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ [الحج: 40] عزيز: يعني لا يغلب، وما دام أن الله تعالى ينصر من نصره فلا بد أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارت القوى ومهما ضعفت، ألم يكن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟ ولما نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] تعجب عمر بفراسته وعبقريته: أي جمع هذا الذي سيهزم ونحن غير قادرين حتى على حماية أنفسنا؟ فلما رأى يوم بدر قال: صدق الله
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. فما دام أن الله قوي عزيز فلا بد أن ينصركم، وهذه مسألة محكوم بها أزلا:
كتب الله لأغلبن أنا ورسلي..
[المجادلة: 21]. فإذا تمت لكم الغلبة، فاعلموا أن لكم دورا، ألا وهو: ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة... ﴾.