تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يا ابن آدم دعوت على من ظلمك ".

وهذا مباح لك بقوله تعالى:

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..

[النساء: 148] يعني: أعطيناك فرصة أن تدعو على من ظلمك. ثم يقول سبحانه:

" ودعا عليك من ظلمته، فإن شئت أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت أخرتكما للآخرة فيسعكما عفوي ".

فالمخبت يستحضر هذا كله، ويركن إلى العفو والتسامح ليأخذ ربه عز وجل في صفه لذلك يقولون: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الكرامة لضن عليه بالظلم. فحين ترى المظلوم يعفو عنك ويتسامح معك، فلا تظن أنك أخضعته لك، إنما هو خضع لله الذي سيرفعه عليك، ويعلي رأسه عليك في يوم من الأيام. لذلك من أنماط السلوك السوي إذا تشاجر اثنان يقول أحد العقلاء: لكما أب نرد عليه، أو لكما كبير نرجع إليه في هذه الخصومة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على مآ أصابهم... ﴾.

22.35

يبين لنا الحق سبحانه بعض صفات المخبتين، فهم ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.. ﴾ [الحج: 35] وجلت: يعني خافت، واضطربت، وارتعدت لذكر الله تعظيما له، ومهابة منه. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

[الرعد: 28]. فمرة يقول ﴿ وجلت قلوبهم.. ﴾ [الحج: 35] ومرة

تطمئن القلوب

[الرعد: 28]، لماذا؟ لأن ذكر الله إن جاء بعد المخالفة لا بد للنفس أن تخاف وتوجل وتضطرب هيبة لله عز وجل، أما إن جاء ذكر الله بعد المصيبة أو الشدة فإن النفس تطمئن به، وتأنس لما فيها من رصيد إيماني ترجع إليه عند الشدة وتركن إليه عند الضيق والبلاء، فإن تعرضت لمصيبة وعزت أسباب دفعها عليك تقول: أنا لي رب فتلجأ إليه، كما كان من موسى - عليه السلام - حين قال:

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62]. ﴿ والصابرين على مآ أصابهم.. ﴾ [الحج: 35] ومعنى أصاب: يعني جاء بأمر سيء في عرفك أنت، فتعده مصيبة لأننا نقدر المصيبة حسب سطحية العمل الإيذائي، إنما لو أخذت مع المصيبة في حسابك الأجر عليها لهانت عليك وما أعتبرتها كذلك لذلك في الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم:

" المصاب من حرم الثواب ".

هذا هو المصاب حقا الذي لا تجبر مصيبته، أما أن تصاب بشيء فتصبر عليه حتى تنال الأجر فليس في هذا مصيبة. ثم يقول سبحانه: ﴿ والمقيمي الصلاة.. ﴾ [الحج: 35] لأن الصلاة هي الولاء الدائم للعبد المسلم، والفرض الذي لا يسقط عنه بحال من الأحوال، فالشهادتان يكفي أن تقولها في العمر مرة، والزكاة إن كان عندك نصاب فهي مرة واحدة في العام كله، والصيام كذلك، شهر في العام، والحج إن كنت مستطيعا فهو مرة واحدة في العمر، وإن لم تكن مستطيعا فليس عليك حج. إذن: الصلاة هي الولاء المستمر للحق سبحانه على مدار اليوم كله، وربك هو الذي يدعوك إليها، ثم لك أن تحدد أنت موعد ومكان هذا اللقاء في حضرته تعالى لأنه سبحانه مستعد للقائك في أي وقت. وتصور أن رئيس الجمهورية أو الملك مثلا يدعوك ويحتم عليك أن يراك في اليوم خمس مرات لتكون في حضرته، والحق سبحانه حين يدعو عباده للقائه، لا يدعوهم مرة واحدة إنما خمس مرات في اليوم والليلة لأنه سبحانه لا يتكلف في هذه العملية تكرار لقاءات، فهو سبحانه يلقى الجميع في وقت واحد. ولما سئل الإمام علي - رضي الله عنه -: كيف يحاسب الله كل هؤلاء الناس في وقت واحد؟ قال: كما أنه يرزقهم جميعا في وقت واحد. وقوله تعالى: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [الحج: 35] لا ينفقون من جيوبهم، إنما من عطاء الله ورزقه.

ومن العجيب أن الله تعالى يعطيك ويهبك ويغدق عليك تفضلا منه سبحانه، فإذا أرادك تعين محتاجا قال لك:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..

[الحديد: 11]. وكأن الله تعالى يقول لنا: أنا لا أعود في هبتي ولا عطائي، فأقول: أعط ما أخذته لفلان، بل إن أعطيت الفقير من مالك فهو أيضا لك مدخر لا يضيع، فرزقك الذي وهبك الله إياه ملكك، ولا نغبنك في شيء منه أبدا، فربك يحترم ملكيتك ويحترم جزاء عملك وجدك واجتهادك. نقول - ولله المثل الأعلى -: كالرجل الذي يحتاج مبلغا كبيرا لأحد الأبناء فيأخذ من الباقين ما معهم وما ادخروه من مصروفاتهم على وعد أن يعوضهم بدلا منها فيما بعد. لذلك يقول بعدها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٧٢