" والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
فمراقبتك لله ومراعاتك لنظره تعالى إليك، يدفعك إلى هذا الإحسان، ألا ترى العامل الذي تباشره وتشرف عليه، وكيف ينهي العمل في موعده؟ وكيف يجيده؟ على خلاف لو تركته وانصرفت عنه. فإن لم تصل إلى هذه المرتبة التي كأنك ترى الله فيها، فلا أقل من أن تتذكر نظره هو إليك، ومراقبته سبحانه لحركاتك وسكناتك. لذلك، في سورة الذاريات:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين
[الذاريات: 15-16]. ثم يفسر سبب هذا الإحسان:
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 17-19]. ومن يلزمك بهذه التكاليف؟ لك أن تصلي العشاء ثم تنام إلى الفجر، كذلك لم يلزمك بالاستغفار وقت السحر، ولم يلزمك بصدقة التطوع. إذن: هذه طاعات فوق ما فرض الله وصلت بأصحابها إلى مقام الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان، فليشمر لها من أراد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا... ﴾.
22.38
صدر الآية: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا.. ﴾ [الحج: 38] يشعرنا أن هناك معركة، والمعركة التي يدافع الله فيها لا بد أنها بين حق أنزله، وباطل يواجهه، وقد تقدم قبل ذلك أن قال تبارك وتعالى:
هذان خصمان اختصموا في ربهم..
[الحج: 19]. وما دام أن هناك خصومة فلا بد أن تنشأ عنها معارك، هذه المعارك قد تأخذ صورة الألفاظ والمجادلة، وقد تأخذ صورة العنف والقوة والشراسة والالتحام المباشر بأدوات الحرب. ومعركة النبي صلى الله عليه وسلم مع معارضيه من كفار مكة لم تقف عند حد المعركة الكلامية فحسب، فقد قالوا عنه - صلوات الله وسلامه عليه: ساحر، وكاهن، ومجنون، وشاعر، ومفتر.. إلخ ثم تطور الأمر إلى إيذاء أصحابه وتعذيبهم، فكانوا يأتون رسول الله مشدوخين ومجروحين فيقول لهم صلى الله عليه وسلم:
" لم أومر بقتال، اصبروا اصبروا، صبرا صبرا.. ".
إلى أن زاد اعتداء الكفار وطفح الكيل منهم أذن الله لرسوله بالقتال، فقال:
أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير
[الحج: 39]. فقوله تعالى: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا.. ﴾ [الحج: 38] صيغة يدافع: مبالغة من يدفع، معنى يدفع يعني: شيئا واحدا، أو مرة واحدة، وتنتهي المسألة، أما يدافع فتدل على مقابلة الفعل بمثله، فالله يدفعهم وهم يقابلون أيضا بالمدافعة، فيحدث تدافع وتفاعل من الجانبين، وهذا لا يكون إلا في معركة. والمعركة تعني: منتصر ومنهزم، لذلك الحق - تبارك وتعالى - يطمئن المؤمنين أنه سيدخل المعركة في صفوفهم، وسيدافع عنهم. فقوله تعالى: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا.. ﴾ [الحج: 38] أمر طبيعي لأن الحق سبحانه ما كان ليرسل رسولا، ويتركه لأهل الباطل يتغلبون عليه، وإلا فما جدوى الرسالة إذن لذلك يطمئن الله تعالى رسوله ويبشره، فيقول:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 171-173]. وقال:
ولينصرن الله من ينصره..
[الحج: 40]. وقال:
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. فهذه كلها آيات تطمئن المؤمنين وتبشرهم، وقد جاءت على مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة، ثم جعل القتال فيما بينهم، وقبل أن يأذن لهم في قتال أعدائهم لحكمة: هي أن يبلوا المؤمنين ويمحصهم ليخرج من صفوفهم أهل الخور والجبن، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حرف، ولا يبقى بعد ذلك إلا قوي الإيمان ثابت العقيدة، الذي يحمل راية هذا الدين وينساح بها في بقاع الأرض لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أن تقوم الساعة، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بد لها من رجال أقوياء يحملونها، وإلا لو استطاع الأعداء القضاء عليها فلن تقوم لدين الله قائمة.