22.47
ألم يقولوا في استعجال العذاب:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32]. وقالوا:
فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 70]. ولا يستعجل الإنسان العذاب إلا إذا كان غير مؤمن به، المؤمن بالعذاب - حقيقة - يخاف منه، ويريد أن يبطئ عنه أو أن ينجو منه. والمعنى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب.. ﴾ [الحج: 47] أنهم يظنون أنه إن توعدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لتوه. لذلك، الحق سبحانه يصحح لهم هذا الفهم، فيقول: ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ [الحج: 47] فلا تتعجلوا توعدكم به، فهو واقع بكم لا محالة لأنه وعد من الله، والله لا يخلف وعده، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ليس كيومكم، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة، أما عند الله فهو كألف سنة من حسابكم أنتم للأيام. واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث، ولا يسع أكثر مما قدر أن يفعل فيه من الأحداث، أما اليوم عند الله - عز وجل - فيسع أحداثا كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم ذلك لأنكم تزاولون الأعمال وتعالجونها، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، ففعلك يحتاج إلى وقت، أما فعل ربك فبكلمة كن. وقد شاء الحق سبحانه أن يعيش هؤلاء في عذاب التفكير في هذا الوعيد طول عمرهم، فيعذبون به قبل حدوثه. إذن: لا تظن أن العذاب الذي توعدكم به سيحدث اليوم أو غدا، لا لأن حساب الوقت مختلف. ألم تقرأ قول الله تعالى لنبيه موسى - عليه السلام - لما دعا على قومه:
ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم
[يونس: 88]. قال له ربه:
قال قد أجيبت دعوتكما..
[يونس: 89]. ويقول المفسرون: حدثت هذه الإجابة لموسى بعد أربعين سنة من دعوته عليهم. وفي موضع آخر يقول تعالى:
يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون
[السجدة: 5]. وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه:
تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
[المعارج: 4] لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة معطل، فأنتم من هول ما ترون تستطيلون القصير، ويمر عليكم الوقت ثقيلا لذلك تتمنون الانصراف ولو إلى النار. كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل، ويمر عليه الوقت كأنه لمح البصر، ومن ذلك ما تلاحظه من قصر الوقت مع الأحبة وطوله مع الأعداء ومن لا يهواه قلبك، ولهذه المسألة شواهد كثيرة في شعرنا العربي، منها قول أحدهم:
حادثات السرور توزن وزنا
والبلايا تكال بالقفزان
وقول الآخر:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيف ألم
ويقول ابن زيدون:
إن يطل بعدك ليلي فلكم
بت أشكو قصر الليل معك
ثم يقول سبحانه: ﴿ وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة... ﴾.