تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.40

فلو أنهم أخرجوا بحق كأن فعلوا شيئا يستدعي إخراجهم من ديارهم، كأن خدشوا الحياء، أو هددوا الأمن، أو أجرموا، أو خرجوا على قوانين قبائلهم لكان إخراجهم بحق. إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئا، وليس لهم ذنب ﴿ إلا أن يقولوا ربنا الله.. ﴾ [الحج: 40] هذه المقولة اعتبرها القوم ذنبا وجريمة تستحق أن يخرجوهم بها من ديارهم. كما قال سبحانه في أهل الأخدود:

وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد

[البروج: 8]. وفي آية أخرى:

هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله..

[المائدة: 59]. وفي قصة لوط عليه السلام:

قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون

[النمل: 56]. إذن: أخرجوهم، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية، إنما لأنهم أناس يتطهرون، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يخرجون من أجلها!! كما تقول: لا عيب في فلان إلا أنه كريم، أو تقول: لا كرامة في فلان إلا أنه لص. فهذه - إذن - صفة لا تمدح، وتلك صفة لا تذم. لقد قلب هؤلاء الموازين، وخالفوا الطبيعة السوية بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل على فساد الطباع، وأي فساد بعد أن قلبوا المعايير، فكرهوا ما يجب أن يحب، وأحبوا ما يجب أن يكره؟ ولا أدل على فساد طبائعهم من عبادتهم لحجر، وتركهم عبادة خالق السماوات والأرض. ثم يقول تعالى: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.. ﴾ [الحج: 40]. وفي آية أخرى يبين الحق سبحانه نتيجة انعدام هذا التدافع:

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض..

[البقرة: 251]. والفساد إن حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أن يعوض ويتدارك، أما إن تعدى الفساد إلى مقومات اليقين الإيماني في الأرض فكره الناس ما يربطهم بالسماء، وهدموا أماكن العبادة، فهذه الطامة والفساد الذي لا صلاح بعده، فكأن الآيتين تصوران نوعا من الإيغال في الفساد، والاتضاع في الجرائم. وتفسد الأرض حين ينعدم هذا التدافع، كيف؟ هب أن ظالما مستبدا في بلد ما يستعبد الناس ويمتص خيراتهم بل ودماءهم دون أن يرده أحد، لا شك أن هذا سيحدث في المجتمع تهاونا وفوضى، ولن يجتهد أحد فوق طاقته، ولمن سيعمل وخيره لغيره؟ وهذا بداية الفساد في الأرض. فإن قلنا: هذا فساد بين الناس في حركة حياتهم يمكن أن يصلح فيما بعد، فما بالك إن امتد الفساد إلى أماكن الطاعات والعبادات، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء؟ إن كان الفساد الأول قابلا للإصلاح، ففساد الدين لا يصلح، لأنك خربت الموازين التي كانت تنظم حركة الحياة، فأصبح المجتمع بلا ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها. ونلحظ في قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.

. } [الحج: 40] جاءت قضية عامة لكل الناس، فلم يخص طائفة دون أخرى، فلم يقل مثلا: لولا دفع الله الكافرين بالمؤمنين، إنما قال مطلق الناس لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات. كذلك جاءت كلمة بعض عامة لتدل على أن كلا الطرفين صالح أن يكون مدفوعا مرة، ومدفوعا عنه أخرى، فهم لبعض بالمرصاد: من أفسد يتصدى له الآخر ليوقفه عند حده، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط. ومثال ذلك قوله تعالى:

ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات..

[الزخرف: 32] دون أن يحدد أيهما مرفوع، وأيهما مرفوع عليه لأن كلا منهما مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر ذلك لأن العباد كلهم عيال الله، لا يحابي منهم أحدا على أحد. انظر الآن إلى قوة روسيا في الشرق وقوة أمريكا في الغرب، إنهما مثال لقوله تعالى: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. ﴾ [الحج: 40] فكل منهما تقف للأخرى بالمرصاد، ترقبها وترصد تحركاتها وتقدمها العسكري، وكأن الله تعالى جعلهما لحماية سلامة الآخرين أن تقف كل منهما موقف الحذر والخوف من الأخرى. وهذا الخوف والترقب والإعداد هو الذي يمنع اندلاع الحرب بينهما، فما بالك لو قامت بينهما حرب أسفرت عن منتصر ومهزوم؟ لا بد أن المنتصر سيعيث في الأرض فسادا ويستبد بالآخرين، ويستشري ظلمه لعدم وجود من يردعه. ومن رحمة الله بالمؤمنين أن يكيد الظالمين بالظالمين بكل ألوانهم وفنونهم، ويؤدب الظالم بمن هو أشد منه ظلما ليظل أهل الخير بعيدين عن هذه المعركة، لا يدخلون طرفا فيها لأن الأخيار لا يصمدون أمام هذه العمليات، لأنهم قوم رقاق القلوب، لا تناسبهم هذه القسوة وهذه الغلظة في الانتقام. اقرأ قول الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٧٨