22.5
قوله: ﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث.. ﴾ [الحج: 5]. الريب: الشك. فالمعنى: إن كنتم شاكين في مسألة البعث، فإليكم الدليل على صدقه ﴿ فإنا خلقناكم من تراب.. ﴾ [الحج: 5] أي: الخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، أما جمهرة الناس بعد آدم فخلقوا من نطفة حية من إنسان حي. والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول مرة في خلق الإنسان: ﴿ من تراب.. ﴾ [الحج: 5]، ومرة
من مآء..
[الطارق: 6]، و
من طين..
[الأنعام: 2]، و
من حمإ مسنون..
[الحجر: 26]، و
من صلصال كالفخار
[الرحمن: 14] وهذه التي دعت المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن، يقولون: من أي هذه الأشياء خلقتم؟ وهذا الاعتراض ناشىء من عدم فهم لغة القرآن، فالتراب والماء والطين والحمأ المسنون والصلصال، كلها مراحل متعددة للشيء الواحد، فإذا وضعت الماء على التراب صار طينا، فإن تركت الطين حتى يتخمر، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أن تميز عنصرا فيه عن الآخر. وهذا عندما يعطن وتتغير رائحته يكون هو الحمأ المسنون، فإن جف فهو صلصال كالفخار، ومنه خلق الله الإنسان وصوره، ونفخ فيه من روحه، إذن: هذه مراحل للشيء الواحد، ومرور الشيء بمراحل مختلفة لا يغيره. ثم تكلم سبحانه عن الخلق الثاني بعد آدم عليه السلام، وهم ذريته، فقال: ﴿ ثم من نطفة.. ﴾ [الحج: 5] والنطفة في الأصل هي قطرة الماء العذب، كما جاء في قول الشاعر:
بقايا نطاف أودع الغيم صفوها
مثقلة الأرجاء زرق الجوانب
ولا تظهر زرقة الماء إلا إذا كان صافيا لا يشوبه شيء، وكذلك النطفة هي خلاصة الخلاصة، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية الاحتراق، وعملية الأيض أي: الهدم والبناء بصفة مستمرة ينتج عنها خروج الفضلات المختلفة من الجسم: فالبول، والغائط، والعرق، والدموع، وصمغ الأذن، كلها فضلات ناتجة عن احتراق الطعام بداخل الجسم حيث يمتص الجسم خلاصة الغذاء، وينقلها إلى الدم. ومن هذه الخلاصة يستخلص مني الإنسان الذي تؤخذ منه النطفة، فهو - إذن - خلاصة الخلاصة في الإنسان، ومنه يحدث الحمل، ويتكون الجنين، وكأن الخالق - عز وجل - قد صفاها هذه التصفية ونقاها كل هذا النقاء لأنها ستكون أصلا لأكرم مخلوقاته، وهو الإنسان. وهذه النطفة لا تنزل من الإنسان إلا في عملية الجماع، وهي ألذ متعة في وجود الإنسان الحي، لماذا؟ لو تأملت متعة الإنسان ولذاته الأخرى مثل: لذة الذوق، أو الشم، أو الملمس، فهي لذات معروفة محددة بحاسة معينة من حواس الإنسان، أما هذه اللذة المصاحبة لنزول المني أثناء هذه العملية الجنسية فهي لذة شاملة يهتز لها الجسم كله، ولا تستطيع أن تحدد فيها منطقة الإحساس، بل كل ذرة من ذرات الجسم تحسها.
لذلك أمرنا ربنا - عز وجل - أن نغتسل بعد هذه العملية لأنها شغلت كل ذرة من ذرات تكوينك، وربما - عند العارفين بالله - لا تغفل عن الله تعالى إلا في هذه اللحظة لذلك كان الأمر بالاغتسال بعدها، هذا قول العلماء. أما أهل المعرفة عن الله وأهل الشطح وأهل الفيوضات فيقولون: إن الله خلق آدم من طين، وجعل نسله من هذه النطفة الحية التي وضعها في حواء، ثم أتى منها كل الخلق بعده، فكأن في كل واحد منا ذرة من أبيه آدم لأنه لو طرأ على هذه الذرة موت ما كان نسل بعد آدم، فهذه الذرة موجودة فيك في النطفة التي تلقيها ويأتي منها ولدك، وهي أصفى شيء فيك لأنها الذرة التي شهدت الخلق الأول خلق أبيك آدم عليه السلام. وقد قربنا هذه المسألة وقلنا: لو أنك أخذت سنتيمترا من مادة ملونة، ووضعته في قارورة ماء، ثم أخذت ترج القارورة حتى اختلط الماء بالمادة الملونة فإن كل قطرة من الماء بها ذرة من هذه المادة، وهكذا لو ألقيت القارورة في برميل.. الخ. إذن: فكل إنسان منا فيه ذرة من أبيه آدم عليه السلام، هذه الذرة شهدت خلق آدم، وشهدت العهد الأول الذي أخذه الله على عباده في قوله تعالى: